Slider

اليسارُ الفلسطينيّ ورؤيتُهُ للصراعِ مع العدوِّ الصهيونيّ!

ed9293e4-5572-4c87-9f1f-50c16c08dc61

اليسارُ – بشكلٍ عام – هو تيارٌ اجتماعيٌّ يعبّر عن رؤيةٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ وتعبيراتها السياسيّة، وناظمُ اليسارِ ومعيارُهُ يعتمدُ على سمةِ المرحلةِ ومهامِها التي تعكسُ حالةَ الظاهرةِ بأوجهِها الاقتصاديّةِ والاجتماعيّةِ والثقافيّةِ والسياسيّة؛ هذهِ الحالةُ التي تعكسُ سمةَ التشكيلةِ الاجتماعيّة وتطوّرَ علاقاتِها ووسائلِها الإنتاجيّة التي تحدّدُ الإطارَ العامَ للثقافةِ السائدة. 

إنّ جدليّةَ العلاقةِ بين كلِّ ما سبق يفرضُ على اليسار تحديدَ مهامِهِ وأولوياته في الإطار العام والخاص والوحيد، وهذهِ المهمّاتُ تختلف من بلدٍ إلى آخرَ؛ بناءً على مستوى التطوّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ، ولكن في الإطار العام من الممكن أن نجدَ مهمّاتٍ إنسانيّةً عامةً مشتركةً خارجَ إطارِ هذا الشرط. على سبيل المثال، مهمّةُ حمايةِ البيئة ومواجهة الكوارث أو الجوائح الصحيّة (كورونا وغيرها)، أو مواجهة الاستخدام السياسيّ للفكرة الدينيّة وتوظيفاتها كأداةٍ لتدمير العلاقات الاجتماعيّة والإنسانيّة.

أمّا عندما نطلقُ تسميةً لليسار ترتبطُ بالخصوصيّة التي تحكمُ الظاهرةَ كاليسارِ الفلسطينيّ ومهمّاته والتحدّيات التي يواجهها، فإنّ أوّل ما يحكمُ مهمّته هي سمةُ التحرّر الوطنيّ الفلسطينيّ، التي برزت منذ جريمةِ النكبة عامَ ١٩٤٨، هذهِ الجريمةُ التي تعاطى معها اليسارُ بريبةٍ توافقت مع سياساتِ النظمِ التابعة، التي تعمّد بعضُها إلغاءَ الهُويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، وألحقها بعضٌ آخرُ بِمنظومتِهِ السياسيّةِ والاقتصاديّة والاجتماعيّة، في حين حوصرت ومنعت من ممارسة حقّها الإنسانيّ في لبنان، حتى جاءت انطلاقةُ الثورة الفلسطينيّة، وأعلنت بعضُ فصائلها المنهجَ العلمي نظريّةً موجّهةً لسياساتها في سياقِ حركتها العامة لتحقيقِ أهدافِها السياسيّة.

إنّ الناظمَ لفصائل اليسار كان – وما زال – سمةَ التحرّر الوطنيّ التي لم تنجز مهامها بعد؛ أمّا معيارُها فهو تحقيقُ العدالةِ السياسيّة والاجتماعيّة والحقوقيّة التاريخيّة والإنسانيّة للمخيّم الفلسطينيّ كرمزيّةٍ حيّةٍ لجريمةِ النكبة، هذا الناظمُ والمعيارُ الذي اختلفت عليه فصائلُ اليسار الفلسطينيّ، التي حكم موقفُها رؤيتين:

الأولى: ترى أنّ إنجازَ سمةِ المرحلة يتحقّق عبرَ شعارِها السياسيّ؛ إقامةُ الدولةِ الديمقراطيّة على كامل التراب الوطنيّ الفلسطيني، هذا الشعارُ الذي يغلقُ البابَ على أيّةِ رؤيةٍ صهيونيّةٍ رجعيّةٍ تريدُ الاستثمارَ في الرواية الدينيّة لتحقيق رؤيتها السياسيّة، هذه الرؤيةُ التي تحملُ السمةَ العنصريّةَ المستندةَ إلى حركةٍ سياسيّةٍ صهيونيّةٍ تحمل طابعًا رأسماليًّا (يهوديًّا)، متداخلةً مصالحُهُ مع حركةِ رأس المال المالي العالميّ وأدواته ووسائله في استخدامها وسيلةً للتسلّل داخلَ منظومةِ الحكم في الدول التابعة. في حالاتٍ أخرى، استُخدمت أداةَ عقابٍ للنظم المتمرّدة على الرؤية الصهيونيّة وامتداداتها العالميّة، وبهذا الصدد، فإنّ تحالف أبراهام، يعبّر عن هذا التداخل في المصالح الرأسماليّة الصهيونيّة مع حركة رأس المال المالي الخليجي، بالرغم من أنّ هذهِ الرؤيةَ كانت تؤكّدُ على طبيعة المشروع الصهيونيّ وجوهره، الذي يحملُ صفةَ التمييزِ العنصريّ، ويعلنُ تطلّعاته من أجل إقامة دولةٍ قائمةٍ على أساسٍ دينيّ، فإنّ أصحابَ هذهِ الرؤية لم يستطيعوا أن يحوّلوا شعارَ الدولةِ الديمقراطيّة لمشروعٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ يواجه المشروعَ الصهيونيّ الإحلاليّ.

الثانية: ترى أنّ إنجازَ مهمّةِ التحرّر الوطنيّ تخضع إلى مفهومِ المرحليّة، هذه الرؤيةُ سرعان ما التقطها اليمينُ العربيّ ليدعمَ اليمينَ الفلسطينيّ على تبنّيها لتكونَ له مدخلًا في تقويض الاستراتيجيّة التحرّريّة الفلسطينيّة، التي تتعارضُ مع سياق نشأة النظام الرسميّ العربيّ وشروط استمراره المرتبطة في الاعتراف بقيام دولة إسرائيل الإحلاليّة. هذه الرؤية أعطت مسبقًا تبريراتٍ سياسيّةً لاتفاقيّات كامب ديفيد، الذي دافع الساداتُ عنها من خلال الشقّ الفلسطينيّ في الاتفاقيّة، الذي يتيح حكمًا ذاتيًّا فلسطينيًّا.

بعد كلّ هذا المخاض الذي أنتج اتفاقيّات أوسلو وملحقاتها اتّفاقات (القاهرة وشرم الشيخ والعقبة)، بما فيها شقّها الاقتصاديّ الذي ربط حياةَ الفلسطينيّين المعيشيّة بالسياسات الإسرائيليّة العدوانيّة وجعلها تتحكمُ بعائدات الرسوم الجمركيّة والضريبة وتضغط على الدول المانحة بوقف المساعدات عن الشعب الفلسطيني، ناهيك عن محاولاتها المستمرّة لتقويض عمل الأونروا الشاهد الأمميّ على جريمة النكبة. كلُّ هذا تمَّ نتيجةَ الخطأ السياسيّ الذي ارتكبته الفئةُ الموقِّعةُ على اتفاق أوسلو مدعومةً من القوى (اليساريّة) التي أوهمت نفسَها أنّها حقّقت الاستقلالَ الوطنيّ من خلال اتّفاقات أوسلو وتوابعها. هذه الاتفاقيّةُ التي عُدّت أنّها حقّقت مساومةً تاريخيّةً أسقطت من خلالها حقَّ العودة، حقَّ عدالةِ المخيّم، وعدّته عنوانًا خاضعًا للنقاش والمساومة، متناسيةً أنّ الثورةَ الفلسطينيّةَ انطلقت من أجل تحقيق هذهِ العدالة لفلسطينييّ المخيّم والشتات.

 بعد ٥٥ عامًا من انطلاقةِ الثورة، ما زال التعارضُ بين الرؤيتين قائمًا، بالرغم من وضوحِ جوهرِ الموقفِ الإسرائيليّ الذي يتعاطى مع الفلسطينيّين كمشكلةٍ سكانيّةٍ تقع مسؤوليّةُ حلّها على جميع دول المنطقة. لقد أتاح التعارضُ بين الرؤيتين المجالَ للقوى الدينيّةِ أن تتمدّدَ على حساب القوى اليساريّة، التي عاشت حالةً من الضياع بعد اتفاقيات أوسلو وتوابعها وحالة الوهم التي اختلطت وشاب موقفها، ممّا انعكسَ على بنيتها التنظيميّة التي شهدت حالةً من النزوح والانتقال إلى الاتّجاهين اليمينيّين السلطويّ في رام الله والدينيّ في غزة، واتّجاه آخر وقف ما بين هذه الاتجاهات التي تصاعدت حدّةُ التعارض بينها، حتى وصل إلى القطيعة والتناحر بين الاتجاه الديني والاتجاه اليميني في السلطة، مما أعطى إسرائيلَ هامشًا لحركتها السياسيّة، تجاوزت حتى استحقاقات الحكم الذاتيّ الذي أُقرّ في أوسلو، وتوضح ذلك في بنود صفقة القرن التي تعدّ أن أيَّ حلٍّ يجب أن يستند إلى الحلّ الأمنيّ، باعتبار أنّ الفلسطينيّين هم مشكلةٌ أمنيّةٌ لإسرائيل.

السؤالُ المهم الذي يفرضُ ذاته: لماذا لم يستطع اليسارُ الفلسطينيّ توحيدَ رؤيته؟

إنّ كلَّ المبرّرات سقطت أمامَ وضوح الرؤية الإسرائيليّة الصهيونيّة، التي تجاوزت جميعَ التكهّنات والأوهام بإمكانيّة تحقيق العدالة السياسيّة والقانونيّة والتاريخيّة للشعب الفلسطينيّ، حيث وضّحت إسرائيلُ هُويّتها العنصريّة التي تعتمد على الرواية الدينيّة، هذه الروايةُ التي تتعارضُ من حيثُ الجوهرُ على ما تروّجه إسرائيلُ الإحلاليّة وحلفائها، على أنّها ديمقراطيّةٌ في غابةِ وحوشٍ ديكتاتوريّة، في حين أنّها أقامت الاتّفاقيّات والتحالفات مع هذهِ الديكتاتوريّات الرجعيّة.

اليسارُ الفلسطينيّ، وخاصةً الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين – بما تتمتعُ به من مصداقيّةٍ في كلّ الاتّجاهات – عليها مهمّةُ تقديمِ رؤيةٍ يساريّةٍ توسّع فيها هوامشَ العمل بين فصائل اتّجاهات اليسار الفلسطينيّ ببرنامجٍ يتطرّقُ إلى المشتركِ الواسعِ بينها، وأهمّ عناوينها  الأسرى والمعتقلين، وإصلاح منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وإعادة بناء السلطة الفلسطينيّة وأجهزتها الأمنيّة، بما يحقّقُ الحمايةَ للشعب الفلسطينيّ من تغوّلِ الاحتلال ومواجهته والتصدّي لعمليّات الاعتداء اليوميّ على المدن والقرى الفلسطينيّة، من مصادرة أراضٍ واقتلاع الأشجار المثمرة، واعتداء المستوطنين على الأسر الفلسطينيّة وحماية أهل القدس ودعم صمودهم. كما العمل على إنجاز مشروعٍ ثقافيٍّ فلسطينيٍّ شاملٍ يوحّدُ الرؤيةَ الجمعيّةَ الثقافيّةَ الفلسطينيّة، بما يتيحُ مواجهةَ محاولات إسرائيل الإحلاليّة من مصادرة الإرث الثقافيّ الفلسطينيّ وتسويقه على أنّه جزءٌ من التنوّع الثقافيّ الإسرائيلي. كذلك التأكيد على البعد القانونيّ من خلال الحفاظ على الأونروا كهيئةٍ دوليّة، تؤكّد الحقَّ القانونيَّ للعودة الفلسطينيّة، هذهِ الهيئةُ التي تسعى إسرائيل منذ ترأسها للجنة القانونيّة في الأمم المتّحدة على حلّها وطرح أن مبرّرات استمرارها انتهت، وهذا ما يسوّق له كوشنير عربيًّا ودوليًّا.

الجبهةُ الشعبيّةُ في ذكراها الرابعةِ والخمسينَ؛ عليها أن تفتح بابًا للحوارِ الوطنيّ باتجاهين؛ اليساريّ، الوطنيّ.

اليساريّ: بين جميع القوى والشخصيّات والهيئات في الــ ٤٨، والضفّة، وغزّة، والشتات، من أجل توحيد الرؤية أو إيجاد المشترك بينها في عنوان تحقيق عدالة المخيّم الفلسطينيّ، الذي يحملُ عناوينَ عدّةً؛ حقوقيّةً قانونيّةً وسياسيّةً واجتماعيّةً وإنسانيّةً واقتصاديّة، على قاعدة أنّ اليسارَ جوهرُ مواقفِهِ يقوم على أساس محاربة الاستغلال بكلّ أوجهه، بغض النظر عن أشكال تجلّياته  القوميّة أو الدينيّة أو السياسيّة، فقد أظهرت اتّفاقات  كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وأبراهام، على أن جوهرها يحمل طابعًا رأسماليًّا استغلاليًّا، تلاقت فيها مصالحُ الإسرائيليّة الصهيونيّة مع مصالح رأس المال الخليجيّ والنظم الكمبرادوريّة.

الجديد أنّ هذا التحالف أعلن عن مواقفِهِ المشتركة، التي ناظِمُها العداءُ لتحقيق العدالة في مجتمعاتهم، والعداء لتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني.

الوطنيّ: مهمّةُ إعادةِ الاعتبار لشعار الدولة الديمقراطيّة، الذي يعملُ على حلِّ حقِّ الممارسةِ الدينيّة في إطار الحقّ الوطنيّ الذي يعتمدُ بناءَ المجتمع على أسسٍ ديمقراطيّة، تضمنُ الحريّةَ بكلِّ جوانبِها والمشاركة والعدالة للجميع، وهذا الشعارُ يُسقط الصراع الدينيّ لصالح الصراع الوطنيّ التحرريّ من كلّ أشكال الاستغلال السياسيّ والاقتصاديّ والدينيّ والقانونيّ والاجتماعيّ، كما يعطي البعد الوطنيّ للعباءة الدينيّة، ويبرز الجوهر التحرّريّ للإسلام من الاستغلال بكلّ أوجهه.

أيضًا هناك مهمّةُ إصلاحِ منظّمةِ التحرير الفلسطينيّة واستعادة دورها الوطنيّ الجامع، والعمل على ضمِّ الفصائل كافةً، بما فيها حماس والجهاد على قاعدة العمل الديمقراطيّ بعيدًا عن الفرديّة من أيّ جهةٍ كانت وإعادة تفعيل دور المؤسسات والنقابات الفلسطينية وتصحيحها، وسفارات تمثيل منظّمة التحرير الفلسطينيّة ومكاتبها لتقوم بدورها الصحيح، من خلال حملة تجديد أطقمها، بما يحقّق المشاركة الجمعيّة للاتجاهات كافةً ليكون التنافس قائمًا على أساس البرنامج الوطنيّ الفلسطينيّ. كلّ هذا يتطلّب سياسةً إعلاميّةً وطنيّةً موحّدة، تقوم على أساس إبراز الحقّ الوطنيّ الفلسطينيّ، بعيدًا عن الخطاب الدينيّ الذي يعطي مبرّراتٍ ليهوديّة الدولة وعدوانيّتها، وتربط المقاومة الفلسطينيّة المشروعة بداعش وأخواتها، التي هي بالجوهر مشروعٌ صهيونيٌّ عدوانيٌّ على الإسلام أوّلًا، وعلى وحدة المجتمعات والتعايش بين مكوّناتها ثانيًا.

إنّ العملَ على وحدة رؤية اليسار، سيؤسّسُ لأن يكونَ شعارُ الجبهةِ الوطنيّة العريضة شعارًا ممكنَ التحقيق، وسيعطي دفعةً لفتح باب الحوار بين قوى اليسار في البلدان العربيّة؛ لكي توحّد رؤيتها القائمة على مكافحة الاستغلال السياسيّ والدينيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ لتحقيق العدالة بكلّ أوجهها.

بوابة الهدف.

بيانات الاتحاد

Slider

بيانات الاتحاد

Slider

نشرة صوت الشعب

2021-04-20
نشرة نبض الشعب
2021-03-11
نبض الشعب
2021-03-09
نبض الشعب
2021-03-08
نبض الشعب
2021-03-08
نبض الشعب
Slider

نشرة صوت الشعب

2021-04-20
نشرة نبض الشعب
2021-03-11
نبض الشعب
2021-03-09
نبض الشعب
2021-03-08
نبض الشعب
2021-03-08
نبض الشعب
Slider

اليسارُ الفلسطينيّ ورؤيتُهُ للصراعِ مع العدوِّ الصهيونيّ!

ed9293e4-5572-4c87-9f1f-50c16c08dc61