وأخيراً وقع الفأس في الرأس؟..بقلم د. صياح عزام

لطالما اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس العربية «عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل» وفق ما تطالب به «إسرائيل» منذ تأسيس كيانها الغاصب في فلسطين المحتلة وتسعى إليه دائماً، من دون وجود...

لطالما اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس العربية «عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل» وفق ما تطالب به «إسرائيل» منذ تأسيس كيانها الغاصب في فلسطين المحتلة وتسعى إليه دائماً، من دون وجود أي سند قانوني أو شرعي، فما الذي سيبقى ليتفاوض الفلسطينيون عليه مع الكيان الصهيوني برعاية أمريكية؟!
حتى قرار التقسيم الجائر، الذي أصدرته الأمم المتحدة والذي على أساسه قام الكيان الصهيوني، تضمن- كما هو معروف- «تقسيم مدينة القدس إلى شطرين اثنين، غربي، يكون تحت السيطرة الإسرائيلية، وشرقي، يكون تحت إدارة عربية، تمثلت آنذاك بالأردن، نظراً لتعذر قيام الدولة الفلسطينية آنذاك»، ومعلوم لدى الجميع، أن هذا الشطر الشرقي هو الأهم لاعتبارات متعددة، تاريخية ودينية وثقافية وغيرها.
وبالعودة قليلاً إلى التاريخ، جاء في الموسوعة الفلسطينية أن عمر المدينة يصل إلى خمسين قرناً، فقد أقام نواتها الأولى «اليبوسيون» وهم من الجزيرة العربية الذين نزحوا مع النازحين من القبائل الكنعانية حوالي عام 2500 قبل الميلاد، هذا وقد ورد اسم «يبوس» في الكتابات المصرية الهيروغليفية باسم «يابثي» و«يابتي» وهو تحوير للاسم الكنعاني.
وحين احتلت «إسرائيل» الضفة الغربية في عدوان حزيران على سورية وفلسطين والأردن عام 1967 بما في ذلك مدينة القدس، أعلنت بعد ضمها إليها وعزمها، وتصميمها على أن تكون «العاصمة الموحدة» لكيانها، وهذا ما رفضه الفلسطينيون والعرب والمسلمون والمجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك الإدارات الأمريكية التي تعاقبت على البيت الأبيض في واشنطن منذ اغتصاب فلسطين، رغم أن كل إدارة كانت تزايد على الإدارة التي سبقتها في «ممالأة ودعم إسرائيل» والانحياز إلى مواقفها، ومدّها بكل أسباب القوة والدعم عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، الأمر الذي استغلته «إسرائيل» في التمادي في مشروعها التوسعي الاستيطاني، واحتلال أراض عربية أخرى غير الأراضي الفلسطينية (في سورية ولبنان).
غنيّ عن الذكر، أنه عندما اتخذ «الكنيست الإسرائيلي» عام 1980 قراراً بإعلان القدس «عاصمة» للكيان الصهيوني وأصدر قانوناً خاصاً بذلك عام 1980 نفسه، رد المجتمع الدولي على ذلك بالرفض لهذا القانون، وذلك من خلال قرارين اتخذهما مجلس الأمن الدولي برقمي (476و 478)، أكد فيهما أن «قانون إعلان القدس عاصمة لإسرائيل» مخالف للقانون الدولي، وليس من شأنه أن يشكل مانعاً من استمرار سريان مفعول اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 على الجزء الشرقي من القدس، كما يفترض أن تكون المدينة ضمن محافظة القدس التابعة لدولة فلسطين.
إن ما تفادته الإدارات الأمريكية السابقة بالاعتراف بالقدس «عاصمة لإسرائيل» ومن ثم نقل السفارة الأمريكية إليها، بالرغم من كل الضغوط التي مارستها «إسرائيل» واللوبي الصهيوني المؤثر جداً في القرارات الأمريكية بهذا الشأن، قامت الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة «دونالد ترامب» -والذي تميزت سياساته وممارساته منذ أن دخل إلى البيت الأبيض وحتى قبل ذلك، بالتهور والرعونة والتردد والغباء السياسي- قامت بالإقدام عليه، ضمن سياق سياسي غير مسؤول وقصير النظر في التعامل مع قضية معقدة مثل القضية الفلسطينية، بما لها من أبعاد عربية وإسلامية وخاصة عندما يتعلق الأمر بمدينة القدس التي لها رمزية تاريخية ودينية خاصة.
شيء آخر مهم أيضاً، وهو النضال الفلسطيني من أجل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو الحق المعترف به دولياً، وبالقدس بالذات قبل كل شيء.
وقد نصت وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطينية المعلنة في الجزائر بتاريخ الخامس عشر من تشرين الثاني سنة 1988، على أن تكون مدينة القدس هي العاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة والمنتظرة، وتالياً، جاء الإعلان الأمريكي الأخير بالاعتراف بأن القدس هي «العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل»، مخيباً لآمال الفلسطينيين، ولكل العرب الشرفاء وحتى للمسلمين في العالم أجمع.
والجدير ذكره، أن هذا الاعتراف الأمريكي الخطير بالقدس «عاصمة» للكيان الصهيوني لم يكن مفاجئاً فقد سبقته إشارات واضحة، منها على سبيل المثال لا الحصر: الحملة الأمريكية على منظمة التحرير الفلسطينية ومكتبها في واشنطن، والأنباء التي تسربت في وسائل الإعلام الأمريكية والغربية عموماً بأن ترامب يعير أمر الاعتراف هذا ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس اهتماماً بالغاً ويدرسه بشكل جدي، وأن المسألة جدية جداً، إذ إن البيت الأبيض أوعز لسفارات الولايات المتحدة وخاصة في الدول المعنية بهذا الأمر، للقيام بعمليات «جس نبض» واستطلاع حول التداعيات وردود الفعل المتوقعة ورفع تقارير حول ذلك، ويبدو أنه كانت هناك «خطة متدرجة تم وضعها لإغلاق هذا الملف» هذا وللأسف فإن الرد الفلسطيني والعربي في معظمه لم يكن بالمستوى المطلوب، فعلى الصعيد الفلسطيني الرسمي شددت السلطة الفلسطينية على رفضها لهذا الاعتراف، وأعلنت أنه سينهي ما سمته الجهود الأمريكية في عملية التسوية والسلام، وطالبت بالتراجع عن ذلك، وكأنها مازالت تراهن على الوعود الأمريكية؟!
إلا أن الرد الشعبي الفلسطيني كان لافتاً من خلال التظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها الضفة الغربية المحتلة.
أما الرد العربي على المستوى الرسمي، فقد تميز في معظمه بما يمكن وصفه بـ «صمت القبور»، والاكتفاء ببعض الاحتجاجات اللفظية والدعوة إلى اجتماع لوزراء الخارجية العرب، وذلك من باب رفع العتب -كما يقال- ولا تفسير لهذا الموقف العربي الرسمي باستثناء الموقف السوري المعروف، إلا أمران هما: «التواطؤ» أو «العجز» وربما أحدهما أو كلاهما معاً، ما يشير إلى أن العواصم العربية الوازنة- ما عدا دمشق- قررت المضي مع ترامب في تنفيذ «صفقة القرن» حتى وإن جاءت على «جثة» القضية الفلسطينية، وأنها تخطت بذلك كل الخطوط الحمراء، وخاصة الرياض وعمّان وعواصم خليجية أخرى، هذه العواصم التي لم تعد القضية الفلسطينية تهمها من قريب ولا من بعيد، بل ركزت جهودها ولا تزال، باتجاه التآمر على سورية منذ سبع سنوات لـ«إسقاط» الدولة السورية التي تشكل العقبة أمام تصفية قضية فلسطين.
هذا ولابد من الإشارة إلى أن الجماهير الفلسطينية رفضت رفضاً قاطعاً قرار ترامب بشأن القدس عبر تظاهرات عارمة شملت معظم المدن الفلسطينية وأدت إلى وقوع اشتباكات بين المتظاهرين الفلسطينيين وبين قوات الاحتلال الإسرائيلي التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي والمطاطي لتفريق المتظاهرين.

عن صحيفة تشرين السورية

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه