حين يصبح تحصين الانتصار المهمة الملحة للمثقفين..بقلم تحسين الحلبي

ربما يميل البعض حين يجري الحديث عن موازين القوى في المنطقة والعالم إلى التركيز على العنصر العسكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي العام وينسى هؤلاء العنصر الثقافي والسردي التاريخي ومختلف الفنون...

ربما يميل البعض حين يجري الحديث عن موازين القوى في المنطقة والعالم إلى التركيز على العنصر العسكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي العام وينسى هؤلاء العنصر الثقافي والسردي التاريخي ومختلف الفنون المؤهلة لنشر وتعميم مواقف وأحداث وتضحيات وبطولات وأهمية وجودها في كفة ميزان قوتنا.
فـ«إسرائيل» والحركة الصهيونية اللتان تشنان أكبر حروب الإبادة ضدنا منذ قرن أدركتا قيمة هذا العنصر وكدستا في كفة ميزانه ضد العرب بشكل عام، وسورية والفلسطينيين بشكل خاص قدرة لا يستهان بها في ضخ مختلف أشكال التضليل بالنشر والسرد والتعميم التي تخدم مواقفها وسياساتها العدوانية خلال عقود كثيرة.
فقد وظفت «إسرائيل» والحركة الصهيونية العالمية من أجل فرض تعاطف العالم مع سياساتها العدوانية ومن أجل الدفاع عن صورتها المزعومة «كضحية» وعن «شرعية» اغتصابها لفلسطين والجولان أكثر من: ثلاثة آلاف فيلم بلغات مختلفة، وأكثر من ألف وخمسمئة عنوان كتاب وثائقي ورواية رعت إصدارها ونشرها بلغات كثيرة أيضاً، وأكثر من مئة مقطوعة موسيقية وسمفونية أعدها موسيقيون وفنانون صهاينة وأجانب، إضافة إلى مئات المؤلفات المسرحية وآلاف اللوحات ودواوين الشعر.
وجمعت كل هذا في أكبر متحف وضعت فيه كل هذه المزاعم والمبالغات بأشكالها المختلفة وأطلقت عليه اسم (يد فاشم) أي «يد واسم» وهي عبارة وردت في (سفر يشعياهو) وأطلقت كل هذا باتجاه العالم كله من أجل غسل دماغ الشعوب ورجال الأدب والصحافة والإعلام.
وبالمقارنة مع «إسرائيل» والحركة الصهيونية لم تنشأ في عالمنا العربي خلال العقدين الماضيين في ظل ثورة الاتصالات والتكنولوجيا وما تقدمه من انتشار واسع وسريع للمعلومات منظمة عربية مشتركة أو مؤسسة تضم عدداً من الدول العربية تعزز قدرة كفتنا في عناصر ميزان القوى المتعلقة بالإعلام والثقافة التاريخية والسردية والنشر لمجابهة هذا العدو المركزي الذي يقوم بتزييف تاريخنا وحاضرنا ويحشد المزيد من المضللين في المنطقة والعالم ضدنا.
وإذا كان الصهاينة يسجلون ما يزعمون أنه جرى لهم في عهد النازية خلال خمس سنوات الحرب العالمية الثانية بكل هذه الأشكال فإننا في هذه المنطقة من فلسطين إلى ما حولها دفعنا أثمان حروب كثيرة عالمية وإقليمية شُنت ضدنا خلال مئة عام شهدنا فيها مذابح ومحارق ذهب ضحيتها على يد الاستعمار والصهيونية ملايين ممن تعرض للقتل أو الإصابة أو الأسر لعشرات السنين أو لتدمير بيته وممتلكاته أو جرى تهجيره بقوة الإرهاب والمذابح من أجل سلب وطنه وأراضيه وتاريخه.
وكانت الحرب الكونية الإرهابية على سورية أحدثها في هذا الوقت وأشرس ما شهدته من وحشية في القتل والتهجير والتدمير وفي تاريخنا هذا نحن أجدر من يسرد ويوثق ما جرى ويحدد الأعداء ووكلاءهم وأدواتهم ويعمم هذه الحقائق ويحولها الى كل أشكال النشر والإبداع تأكيداً للصمود والانتصار وبطولات هذا الشعب بجيشه وقيادته وكل من اصطف الى جانبه في أطول الحروب التي شهدتها سورية في تاريخها المعاصر.
وفي هذه المرحلة من انتصار سورية وحلفائها أصبحت الضرورة تدعو الى تنظيم كل ما يتطلبه تحقيق هذه الأهداف من خطط ومن مهام لأكبر صرح إبداعي عربي يروي بالوثائق والأرقام وعظمة التضحيات والبطولات والصمود قصة شعب انتصر على أكبر عدد من الأعداء في مقدمتهم «إسرائيل» والحركة الصهيونية العالمية– الغربية.
ولذلك أصبحت المهمة الكبرى ملقاة على عاتق سورية الدولة التي صانت استقلالها وحرية قرارها الوطني والقومي بدماء وتضحيات شعبها وجيشها، ومن مسؤولية كل مثقف وإعلامي وفنان ورسام وكاتب سوري وفلسطيني وعربي بل وعالمي عاصر هذه الحرب الكونية عليها وكان شاهداً على ما جرى فيها.
وإذا كان الجيش العربي السوري قد تمكن بانتصاره مع القوات الرديفة والحليفة من تغيير كفة سورية في ميزان القوة العسكرية الإقليمية في المنطقة وأمام «إسرائيل» فإن جيش الكتاب والإعلاميين والفنانين والرسامين والموسيقيين أصبح مطالباً بتعزيز كفة سورية في ميزان القوة الثقافية والناعمة والسردية والفنية في المنطقة والمحافظة على رصيدها التاريخي تحصيناً لثقافة المقاومة وتخليداً لبطولات شهدائها وصمود شعبها وتفنيداً لكل ادعاءات ومزاعم الأعداء ووكلائهم في الميدان المحلي والإقليمي والدولي.
فالمعركة ومهامها لم تنته بل تغيرت أشكالها وخطابها بعد استراحة المحارب وما تهيأ من ظروف لمهام ملحة في تحصين وحماية الانتصار ومنجزاته

عن صحيفة تشرين السورية

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه