لن ينجح الهجوم على مدينة القدس..بقلم تحسين الحلبي

يبدو أن نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية فضل في هذه الأوقات استغلال الظروف الصعبة التي يمر فيها الرئيس الأمريكي ترامب لكي ينتزع منه ما عجز جميع رؤساء حكومات «إسرائيل» عن...

يبدو أن نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية فضل في هذه الأوقات استغلال الظروف الصعبة التي يمر فيها الرئيس الأمريكي ترامب لكي ينتزع منه ما عجز جميع رؤساء حكومات «إسرائيل» عن انتزاعه من الرؤساء الأمريكيين منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة الفلسطينيين وسيناء المصرية والجولان السوري عام 1967، وهو الاعتراف الرسمي بضم القدس الشرقية المحتلة إلى الكيان الإسرائيلي وعدّ مدينة القدس بشقيها الغربي والشرقي عاصمة هذا الكيان.
فقد رأى نتنياهو أن الظرف الأمريكي بعد فضيحة مستشار ترامب السابق للأمن القومي ميشيل فلين واعترافه بالكذب ومضاعفاتها على صهر ترامب جاريد كوشنير المسؤول عن ملف الشرق الأوسط قد يؤدي إلى إضعاف ترامب وعدم قدرة إدارته على إصدار القرارات، وأن الوقت قد حان لاستخدام أقصى ما يمكن من الضغوط الصهيونية من أجل دفع ترامب إلى الاعتراف بضم «إسرائيل» للقدس الشرقية.
كما وجد نتنياهو أن تبادل أشكال التقارب العلنية منذ أسابيع كثيرة بينه وبين العائلة المالكة السعودية وما تنشره الأنباء الإسرائيلية عن هذا التقارب سيقدم له فرصة يوظف فيها العائلة المالكة السعودية لاحتواء بعض الأنظمة العربية الأخرى وضمان عدم التصعيد إذا ما نجح مع ترامب بعد أن تبين له أنها احتوت الكثيرين منهم ضد اليمن والعراق وسورية.
وعلى الصعيد الداخلي الإسرائيلي الحزبي والسياسي والشخصي أصبح نتنياهو يتطلع الى احتواء حالة الهيجان الداخلي التي تسبب بها حين سخر أجهزة الكيان الإسرائيلي والقضاء للتملص من محاكمته بتهمة الفساد وسوء الائتمان، وهو يعتقد الآن أنه إذا فاز بتحقيق هذا الهدف من الرئيس الأمريكي فسوف يضمن ذلك له البقاء في الحكم حتى نهاية ولايته عام 2019 ويكون قد تجنب الخضوع لانتخابات مسبقة في العام المقبل.
لكن السؤال الأهم هو: هل سيتمكن نتنياهو، بالاعتماد على هذه العوامل، من تحقيق هدفه؟
لقد عجز نتنياهو في 29 تشرين الأول الماضي عن تأمين تصويت داخل (الكنيست) على ضم خمس مستوطنات كبيرة من الضفة الغربية إلى القدس الشرقية المحتلة منذ عام 1967 التي تجاورها وهي تضم 150 ألفاً من المستوطنين بهدف تحويل أغلبية السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية إلى أقلية أمام أغلبية من اليهود تمهيداً للحصول على موافقة ترامب بالاعتراف بها «عاصمة لإسرائيل»، لكن مخاوف ترامب وأحزاب أخرى إسرائيلية من رد فعل فلسطيني شعبي ورسمي وعربي إسلامي جعل ترامب يطلب من نتنياهو تأجيل هذا المشروع.
كانت الخطة تهدف إلى ضم كل هذه المستوطنات الخمس بمئة وخمسين ألفاً من المستوطنين لمدينة القدس الشرقية التي تعدها الحكومة الإسرائيلية «جزءاً من السيادة الإسرائيلية وعاصمة موحدة» لهذا الكيان، وبهذه الطريقة يجري تطبيق القانون الإسرائيلي عليها بخلاف المستوطنات الموجودة في الضفة الغربية، فتكبر مساحة القدس ويصبح سكانها اليهود أكثر من أصحاب الأرض الفلسطينيين المقدسيين ويسهل بعد ذلك على ترامب الاعتراف بمدينة تضم أغلبية كبيرة يهودية عاصمة لهذا الكيان.
وسواء نجح مشروع نتنياهو في دفع ترامب إلى الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لهذا الكيان أو لم ينجح، يدرك الجميع في المنطقة أن أي حاكم عربي يصمت أو يوافق سراً عليه لا يمكنه أن ينجح في إيقاف الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج عن التصدي لهذا المشروع ولا في إيقاف كل هذه الأمة، لكن نتنياهو يريد أن يقدم موضوعاً كهذا إلى جدول العمل الأمريكي ثم يفرضه شرطاً مشتركاً أمريكياً- إسرائيلياً على كل حاكم عربي يقبل بتطبيع علاقاته مع «إسرائيل» كما أن دول وأطراف محور المقاومة التي تحقق المزيد من الانتصارات على كل من تسخرهم «إسرائيل» والولايات المتحدة وحلفاؤها ضد هذا المحور لا يمكن لترامب نفسه إلا أن يحسب حسابات كثيرة لها في موضوع يتعلق بأقدس مقدسات الإسلام والمسيحية في الوطن العربي.
وإذا كانت الظروف التاريخية السيئة في آخر سنوات العهد العثماني قد دفعت بعض الحكام إلى بيع فلسطين مقابل ملك في السعودية أو العراق في عام 1917 و1919 فإن كتلة قوة محور المقاومة في هذه الظروف لن تسمح لأي حاكم بالقيام بالعمل نفسه.

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه