تناحر أقطاب الحكم في المملكة الوهابية.. أحداث وتطورات تنذر بحرب عائلية ضروس

رسمت تحولات المنطقة العربية مسارات السياسة الدولية بعد أن دخلت خطط القوى الطاغية الاستعمارية شكلاً جديداً من الحروب للسيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها. فلم تكن واشنطن يوماً ولا حليفاتها...

رسمت تحولات المنطقة العربية مسارات السياسة الدولية بعد أن دخلت خطط القوى الطاغية الاستعمارية شكلاً جديداً من الحروب للسيطرة على مقدرات الشعوب وثرواتها. فلم تكن واشنطن يوماً ولا حليفاتها بعيدين عما يجري في المنطقة، خاصة بما يرتبط بمصالح إسرائيلية، ولن تستثني حملات تغيير الأنظمة أي دولة حتى الأقرب في حلف واشنطن الاستعماري.
فالغرف السوداء المقامة في عواصم الخليج العربي مازالت تنسج مشاريعها، وتطبقها بما يتناسب مع مصالح الإمبريالية والصهيونية، ومازالت المشاريع الأمريكية تغزو الأرض العربية ومنها تحت ما سمي بحركات «الربيع العربي» ضمن مسار تغيير الأنظمة الذي يتبدل بالأسلوب حسب طبيعة كل دولة.
وتصبح واشنطن أكثر قلقاً وعدوانية عندما يضرب احتمال التغيير في بلد تابع لها خاصة في المنطقة، إذ تعد المملكة السعودية الوهابية المحمية الأمريكية الأوسع في المنطقة، والنظام الأكثر ولاء وطوعاً للإرادة الأمريكية، وتالياً، تصبح مسألة صناعة النظام الحاكم في دولة كهذه أمراً بالغ الأهمية. فقد ارتهنت سياسات بني سعود للمصالح الأمريكية، ورغبات الاستعماريين الجدد في أمريكا، فبعد عقود من التآمر على مصالح الأمة، أصبح لزاماً على بني سعود تغيير جزء من مسار السياسة وطبيعة الحكم لديها حسب إملاءات السيد الأمريكي، وإعداداً لمرحلة جديدة تجاه المنطقة والعالم.
وحسبما نشرت صحف غربية ومن خلال موقع (غلوبال ريسيرش)، تعد مغامرات بني سعود الخارجية سبباً أساسياً، وعاصفة ذات تأثير كبير لصراع أهلي داخل العائلة المالكة ينذر بحالة عدم استقرار واسعة النطاق داخل العائلة نفسها وعلى مستوى أوسع، ويتصاعد هذا الاضطراب مع صعود تأثير دور دولة أخرى منافسة على الصعيد الإقليمي لتكون قوة محتملة إقليمية ودولية. ومقابل ذلك، شهدت المملكة الوهابية العديد من القضايا التي ساهمت في زعزعة حالة الاستقرار التي ربما كانت سائدة، لكنها ظهرت للعيان بعد بداية حكم سلمان بن عبد العزيز وظهرت للجميع نتائج الحروب الوهابية التكفيرية التي رعتها واشنطن ونفذها بنو سعود ضد سورية والعراق واليمن، ومازالت تمارس إرهابها وخططها ضد لبنان ومصر، محاولة إبقاءهما «تحت الإرادة» الوهابية السعودية.
ونتيجة الإنفاق الهائل على تمويل هذه الحروب، وانخفاض أسعار النفط وضعت برامج إنفاق بني سعود في خطر، كما ذكرت صحيفة (الاندبندنت)، بينما ظهر أن ثلث الذين تتراوح أعمارهم بين (15- 24) عاماً في البلاد غير قادر على العمل. وكان الملك سلمان قد أصدر قرارات تخص العاملين وموظفي الشركات الذين حرموا من بدلات العمل وحوافز مالية، وميزات تعويضية متعددة لا بل تم فرض برامج تقشف متعددة في عدة مناطق، وضرائب جديدة على المواطنين. وقد شهدت المملكة الوهابية انخفاضاً في التصنيف الائتماني، حسبما ذكرت وكالة (بلومبيرغ) الأمريكية التي أشارت أيضاً إلى أن صافي صادرات النفط في المملكة بدأ ينخفض منذ بداية العام الماضي، واستمر في الانخفاض هذا العام بنسبة 1,4%، إذ قدرت مجلة «علوم البترول والهندسة» أن تتخلى المملكة عن إنتاج النفط لأغراض التصدير مع حلول عام 2030 الذي يعد نهاية عمر البقرة الحلوب التي غذت مشاريع أمريكية إمبريالية وصهيونية إقليمية متعددة.
وإلى ذلك، يبدو أن ولي عهد النظام السعودي (محمد بن سلمان) حصل على ولاية العهد برعاية من أمريكا، أي بموافقة ومباركة أمريكية، بغض النظر عن حالة العائلة الحاكمة وطبيعة التوارث الملكي للحكم، يقيناً منه أن من يقرر اختيار تاج الملك الوهابي ليس العائلة بل مؤسسات وشخصيات أمريكية مرتبطة بعجلة القوى العميقة الأمريكية. فمن المعروف أن تركيبة الأسر الملكية الاستبدادية تنتج نظام حكم مطلق، ويعد نفسه «مكلفاً» بحماية (دين الله). فكل حاكم يقوم بعمليات تطهير وتصفية لكل المنافسين له في المحيط، بعد إزالة المخاطر بشكل عنيف ودموي… فهذا الأسلوب الممتد من القرون الوسطى لم يتغير للتعبير عن قسوة الحكم المطلق الذي يتآمر به الابن على أبيه ويخشى أعمامه، ومملكة الرمال لن تشذ عن القاعدة، وستستمر في نهجها التكفيري الإرهابي، لكن ربما مع تغيير الأسلوب والأهداف.
وبالرغم من عدم صدور موقف أمريكي رسمي من التطورات الدراماتيكية التي تشهدها مملكة بني سعود التي تمثلت بحملة اعتقالات غير مسبوقة استهدفت أمراء ووزراء ومسؤولين تحت شعار (مكافحة الفساد)، لكن الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع ملك بني سعود سلمان بن عبد العزيز يعد مؤشراً واضحاً على أن إدارة ترامب لم تكن بعيدة عن التطورات الانقلابية هناك. وحسب صحيفة «واشنطن بوست»، فقد اهتمت وسائل إعلام أمريكية بالحدث الانقلابي، ولاسيما من زاوية اقتصادية وخلفياته المالية، امتداداً لاعتقال الأمير الوليد بن طلال وما يسفر عنه من تأثير في استثماراته في عدد من الشركات الأمريكية. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تقديرات بشأن عدد المليارات التي صادرها ولي عهد بني سعود (محمد بن سلمان) من خلال «مذبحة» الأمراء والأثرياء التي ارتكبها.
وذهبت التقديرات إلى أن قيمة الثروات تجاوزت (تريليون دولار)، وفسر البعض بأنها مؤشر على تفاقم الأزمة الاقتصادية داخل العائلة، والحاجة الماسة لسيولة مالية غير متوافرة، بسبب الحرب الخاسرة على اليمن، وصفقات السلاح مع الإدارة الأمريكية الجديدة. وأشارت وسائل الإعلام الأمريكية إلى المواجهة الكلامية بين الوليد بن طلال ودونالد ترامب على «تويتر» خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية العام الماضي، ودعوة ابن طلال لترامب للانسحاب من سباق الرئاسة لأنه (عار على أمريكا) حسب تعبيره، بينما رد المرشح الجمهوري وقتها بتغريده اتهم فيها بن طلال بشراء السياسيين في أمريكا، مؤكداً أنه لن يسمح بذلك في حال انتخب رئيساً.
فحملة الاعتقالات التي جرت ما هي إلا مغامرة محفوفة بالمخاطر، بالرغم من التنسيق السعودي الأمريكي، وتزامناً مع الزيارة السرية التي قام بها كبير مستشاري البيت الأبيض جيراد كوشنر إلى الرياض الذي عقد جولات مطولة من المحادثات المعمقة استمرت ليالي عدة، تفضي في نهاية المطاف إلى بناء علاقات دبلوماسية بين الرياض وتل أبيب، تسعى واشنطن لاستكمالها بتعيين ملك جديد لبني سعود، وربطه بأقطاب إقليمية موالية لأميركا ضد دول وقوى أخرى معينة.
ويبدو أن سعي واشنطن لإعادة هيكلة النظام الحاكم لبني سعود يندرج ضمن تحول مهم واستراتيجي يسعى لخلخلة النظام الملكي المترهل والمتكلس، بالابتعاد عن التقليد والعادة في نقل الحكم، بالرغم من الولاء المطلق من بقية الأمراء والشخصيات السعودية لواشنطن، لكن وكما يبدو فإن النصيحة التي أدلى بها السمسار الإماراتي ابن زايد لمحمد بن سلمان قد أخذت طريقها للتنفيذ، والأهم العلاقة مع (إسرائيل)، فعلاقة بن سلمان مع جيراد كوشنر صهر الرئيس ترامب وكبير مستشاري البيت الأبيض قد وضعته في مقدمة الشخصيات، إضافة للعرض الأوفر والأكبر الذي قدمه لواشنطن و«إسرائيل» مقابل حصوله على الحكم.
وبالرغم من أن الانتقال من التوريث الأفقي إلى العمودي، متجاوزاً الأعمار وتراتبية التقارب الأسري لم يؤخذ في الحسبان، فقد أصبحت المعادلة المسيطرة هي العلاقة مع (إسرائيل) والولاء لواشنطن والمشروع المستقبلي المناسب لمصالحهما. فمن المعروف أن كبير مستشاري ترامب وصهره « كوشنر» يهودي متديّن، وهو فعلياً أحد صانعي القرار في البيت الأبيض، ويقيم علاقات قوية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو)، وحسب مجلة «فورين بوليسي» فإن العلاقة بين كوشنر ومحمد بن سلمان أصبحت شخصية وقوية.
وفي ظل هذه الأجواء والهرولة المتسارعة لممالك الخليج تجاه «إسرائيل» يبقى مستقبل بني سعود رهن المصالح الأمريكية والصهيونية. وضمن التغيرات المستمرة التي تصيب جغرافية المنطقة، والفشل الذريع الذي تواجهه خطط بني سعود في المنطقة، بدءاً من اليمن وسورية، وتحول المشهد العراقي الذي فرض معادلة منطقية لإرادة الشعوب، يبقى السؤال الأهم، ما مدى طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه واشنطن في تشكيل بنية حاكمة جديدة في الخليج العربي بدءاً من مملكة بني سعود؟، وما السيناريوهات اللاحقة لهذه القصص الهوليوودية؟.

ترجمة و تحرير خالد فلحوط

 عن صحيفة تشرين السورية

 

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه