الحلقة المفقودة.. بقلم بثينة شعبان

يتساءل الكثيرون اليوم في السر، أو في العلن، ماذا دهى هذه الأمة؟ أو ماذا حلَّ بهذه البلدان حتى تقع بلداً تلو الآخر تحت احتلالٍ كلي أو جزئي، عسكري أو...

يتساءل الكثيرون اليوم في السر، أو في العلن، ماذا دهى هذه الأمة؟ أو ماذا حلَّ بهذه البلدان حتى تقع بلداً تلو الآخر تحت احتلالٍ كلي أو جزئي، عسكري أو سياسي أو اقتصادي؟ ولماذا حطت أرحال الغزاة هنا، وتركزت أنظار الوافدين على خيرات الأرض في ديارنا وتاريخ الإنسان وحضارته، ماضيه ومستقبله.

وإذا ما تجاهلنا عن قصد الأسباب الخارجية من أطماع صهيونية ومخططات قديمة حديثة كرست لها أبواق إعلامية على مدى عقودٍ وميزانيات سخية، وركزنا على الأسباب الذاتية حتى وإن بدا هذا التحليل نوعاً من جَلدِ الذات، فلا شك أنه من المجدي أن يقسو المرء على ذاته كي يصحح مواقع الخلل وكي يستعيد عافيته وألقه.

من هذا المنظور يمكن القول إن الدول العربية وعلى مدى نصف قرن ونيِّف من الاستقلال السياسي، فشلت بدرجات متفاوتة في أن تطور مناهجها التعليمية كي تؤكد في عقول وقلوب مواطنيها مفهوماً حقيقياً للانتماء الوطني، فبقيت الشعارات الرنانة خالية من المضمون وبعيدة كل البعد عن ممارساتِ حتى من حاكوها والقائمين على تنفيذها، بينما يُلاحظ في الدول الغربية المتقدمة صناعياً، شعور عالٍ من الانتماء واللحمة الوطنية، يتبلور أثناء الأزمات يحكم تصرفات جميع المعنيين في أوقات السلم والرخاء، لا بل ويعتبر المقياس الأساس لنجاح حكم ما في خدمة شعبه، ولذلك ورغم وجود حرية سياسية أو ما يشابهها أحياناً في الغرب، ورغم وجود أحزاب معارضة، فإن المعيار الأساسي للجميع هو الإبداع في خدمة المصلحة الوطنية العليا والتفوق في تحقيق الازدهار والرخاء للشعب بأكمله.

وما لاحظناه كمراقبين في الحرب على العراق لافتٌ للنظر بالفعل، ففي الوقت الذي انهار فيه النظام العراقي، عاد العراق وبلحظة أو حتى بغفلة من الزمن إلى ما قبل عقود من تاريخه، حيث أن الصوت الوحيد النافذ والمسموع، هو صوت زعيم العشيرة أو شيخ الجامع وانهارت الحداثة المزعومة والتي كانت بالأساس تفتقر إلى اللبنة الأساسية من وجودها، ألا وهي الكرامة الوطنية والشعور بالانتماء.

بالمقابل ورغم أن نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي كانت ضد حكومتها في إعلان الحرب على العراق ما أن بدأت الحرب، إلى أن أصبح الإعلام الحر هناك صوتاً واحداً يدعم القوات العسكرية الأمريكية في مهمتها وإلى أن توقف النقاد والمعارضون للحرب عن الكلام، إذ أن دعم القوات وقت الحرب أمر يفرضه القانون ويعاقب على خرقه، والأكثر من ذلك أن المطاعم الفرنسية في واشنطن ونيويورك أصبحت خالية من الزبائن، كما أصبح من العار احتساء النبيذ الفرنسي، لأن فرنسا وقفت ضد الحرب الأمريكية على العراق، ولم يكن ضرورياً من أجل تحقيق كل هذا إصدار أوامر لأحد، بل كان عملاً تلقائياً يبلور الشعور بالانتماء الذي غرس في نفوس الجميع في المدرسة والمنزل والمؤسسة والشارع.

وأثناء الحرب أيضاً أُسرت الجندية الأمريكية، جيسيكا لينش، فأُشعِلَت لها الشموع في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وحين تم تحريرها من الأسر كُرِّسَت لها مساحة مذهلة في الإعلام، وذلك تقديراً لما قامت به في خدمة بلدها، وأولاً وقبل كل شيء احتراماً لمواطنيتها وكرامتها الوطنية والتي هي حق لكل مواطن، هذا التقدير العالي للمواطنية وتقديس حق المواطن في الكرامة، هو ما فشلت الأنظمة العربية في ملاحظته والتأكيد عليه، إذ أن كل عربي يشكل بلداً في داخله أو شيخ عشيرة ولا يمكن له أن يرى أن المنظور الوطني هو الأساس، وأن العزة والرفعة هما للوطن فقط، فإذا كان الوطن عزيزاً عاش أبناؤه بخير وكرامة وإذا كان الوطن مهاناً وقع جميع أبنائه فريسة للذل والهوان، ورغم مرور نصف قرن ونيف على الاستقلال، ما زالت الحلقة المفقودة في معظم البلدان العربية هي التركيز على الانتماء أولاً وقبل كل شيء، الانتماء للقطر ثم للأمة وما زالت الكرامة الوطنية غير متبلورة في القاموس السياسي العربي وما زال المنظور الوطني يصارع المنظور الشخصي ومنظور الانتماء المناطقي والقبلي والعرقي والديني، والتاريخ يشهد أن وطناً لا ينتصر ما لم تصبح المصلحة الوطنية هي العليا في ضمير وعقول جميع أبنائه وبناته.

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه