عن الفرز التعسفي بين فلسطين وسورية!

كلما حقق الجيش العربي السوري انتصارات على الإرهاب هرب خصومه إلى ناحية «إســرائيل» سقطت أكذوبة «التضامن الإنساني» مع الشّعب السوري في إطار مشروع التآمر على سورية، لك أن تحدّثني...

كلما حقق الجيش العربي السوري انتصارات على الإرهاب هرب خصومه إلى ناحية «إســرائيل»

سقطت أكذوبة «التضامن الإنساني» مع الشّعب السوري في إطار مشروع التآمر على سورية، لك أن تحدّثني قرناً كاملاً عن الأسلوب الذي تتبعه الإمبريالية في قلبها الحقائق قبل أن تجهز على الكيانات التي تعدّها خطراً على مصالحها، وبالتأكيد ليس أكثر من القيادة السورية إزعاجاً لـ«إسرائيل» وأمريكا وحلفائهما، وإلاّ لا يجدي الحديث عن عكس هذه الحقيقة إلاّ نكون أمام شلاّل من المفارقات التي حوّلت المشهد منذ 6 سنوات إلى مسرح للتّفاهة السياسية والإعلامية، سقطت أكذوبة «التضامن الإنسان والضمير الحي»ّ الذي شاركت فيه حتى النحلة الوهّابية التي أسست لتكون عقيدة للتكفير وللذبح والقتل، حين أصبحت القاعدة وسليلاتها من «النصرة» و«داعش» تمارس «حقاً مشروعاً!» فيما سموه «المعارضة المسلحة». ترى كم قتل هؤلاء المجرمون من السوريين والعراقيين؟ لكن لا أحد من بين «أنصار» الشعب السوري المزعومين خرج محتجّاً، وإذاً هي الأيديولوجيا أوّلاً ثم تأتي المبدئية والضمير.
اليوم حمي الوطيس بين الأطراف التي تآمرت على سورية، وكلما حقق الجيش العربي السوري بمعية حلفائه انتصارات على الإرهاب هرب خصومه ناحية «إسرائيل»، هذه الأخيرة التي عبّرت عن تضامنها مع «المعارضة السورية» في الخارج، وقدمت المساعدات اللوجستية والطبية «للنصرة» وعدّتهم الحليف الموضوعي لها في المعركة ضدّ آخر قلاع المواجهة، ثم تأتي فلسطين التي تضرّرت من كل ما يجري ضد سورية والعراق لأنّ عملية إشغال العرب وفق ما يسميه الخبير/العميل الصهيو-أمريكي دانيال بايبس، الجمود العسكري يهدف إلى تعطيل الدور السوري الرائد في احتضان المقاومة.
إنّ القضية الفلسطينية كانت دائماً هي الميزان الذي يحمي الفعل المقاوم من هدر الإيديولوجيات ويجعل المقاومة نشاطاً خلاّقاً في حدود الواقعية والعقل، وفي إطار من الاقتصاد والتدبير لعلاقة الإيديولوجيا بالصراع، ولقد أخطأ كلّ الذين حاولوا تجزيء القضية الفلسطينية والنظر إليها كواقعة معزولة وليست معادلة تشتبك مع أبعاد كثيرة تلخّصها المعركة المصيرية التي تخوضها الإمبريالية في المنطقة، ومن هنا حاول عبثاً بعض المخطئين القبول بالتآمر على سورية، بينما زعموا أنّهم بذلك «يحمون» القضية الفلسطينية، ليتأكّد فيما بعد أنّ لا مهرب من تلك الحقيقة المرّة وهي أنّ بعض المقاومة الفلسطينية من دون سورية أشرفت عليه الرجعية العربية وانتهت إلى الباب المسدود.
في المغرب ولأسباب تقنية وإجرائية يسعى فصيل التوحيد والإصلاح الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية وكذلك جماعة العدل والإحسان لاحتكار الوقفات الاحتجاجية ومنحها لوناً خاصاً وكأنها تمثل الشعب المغربي بينما هي حفنة محدودة في العدد والعديد، وهو التكرار الذي تستند إليه بعض الأطراف القومجية المتصالحة مع الإخوان المسلمين والمتآمرة على أي عمل مناصر للمقاومة حين يخرج عن جبتها، نلاحظ رفع ما يسمى «علَم المعارضة السورية» في محاولة لخلط الأوراق بوقاحة. نحن أمام المجموعات المناهضة لسورية وحزب الله والانخراط في خطاب أنّ «العدو الأخطر هو إيران». لهؤلاء البلهاء أقول: كيف تستقيم المقاومة من دون سورية؟ وهل المقاومة تستغني عن محور الممانعة؟ حتى الفلسطيني حين يخرج عن محور الممانعة يفقد لغته المقاومة ويصبح جزءاً من المنظومة الرجعية، ويساهم في إضعاف شوكة المقاومة.
بالمختصر المفيد: إنّ الوقفات التضامنية مع فلسطين التي يرفع فيها «علم المعارضة السورية» هي إفك أثيم وتآمر ناعم على المقاومة وعلى فلسطين نفسها.
الفرز التعسفي بين فلسطين وسورية استراتيجيا صنعت داخل أروقة الدوحة وركبتها الجزيرة ونفخ فيها النائب المعار من الكنيست الإسرائيلي وابتلع الطعم فيها السّفهاء.
لم يعد اليوم ما هو مقنع بالطريقة التي انتهى إليها الشّق المهادن للرجعية من داخل العمل الفلسطيني، لأنّ الإخوان استغلوا القضية الفلسطينية أسوأ استغلال وحرفوا بوصلتها، وفي الوقت نفسه يزعمون أنهم يلتزمون الحياد.
والحال أنه لا شيء مقنعاً في خدعة الحياد، لأنّ المصير واحد والمقاومة الفلسطينية مطالبة أن تسند حلفاءها وتتحمل المسؤولية وبذلك تساهم في إسقاط النفاق الإقليمي بدل أن يقدم بعضها له شهادة زور من عنفوان النضال الفلسطيني النظيف ودماء شهدائه الزّكية. لا حياد إذاً في (ومن) القضية الفلسطينية.
ادريس هاني – كاتب مغربي

عن صحيفة تشرين

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه