وسائل الإعلام الأمريكية تستبعد الفلسطينيين ولكنها منشغلة بهم!

تكشف الدكتورة مها نصار “أستاذة مشاركة في كلية دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجامعة أريزونا” عن التغييب المنهجي للصوت الفلسطيني في الصحافة الأمريكية، وكيف أنه على الرغم من أن...

تكشف الدكتورة مها نصار “أستاذة مشاركة في كلية دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجامعة أريزونا” عن التغييب المنهجي للصوت الفلسطيني في الصحافة الأمريكية، وكيف أنه على الرغم من أن الصحف الأمريكية الكبرى قد استضافت الآلاف من مقالات الرأي حول “إسرائيل” و فلسطين على مدى 50 عامًا، إلا أنه نادرًا ما يكتبها فلسطينيون. ويأتي مقال الأستاذة نصار، على خلفية قرار عضو الكونغرس ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، الانسحاب من حفا افتتاح نصب تذكاري لرئيس حكومة الاحتلال الأسبق إسحاق رابين، وهي إشارة مهمة أن الأصوات التي تريد التعامل مع وجهة النظر الفلسطينية قد بدأت تسمع في المؤسسة الأمريكية وتؤخذ أخيرًا على محمل الجد في الأوساط “الديمقراطية والتقدمية” في الولايات المتحدة. مشيرة إلى أن تصرف السيدة كورتيز كان محط استخدام لتسجيل نقاط سياسية من جهة ومبعثا على الحيرة من جهة أخرى.

ترى الدكتورة نصار، أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا الحيرة هو أن ذكريات العديد من الأمريكيين عن رابين ملطخة منذ فترة طويلة بسرد إعلامي لا هوادة فيه حرمهم من وجهات النظر النقدية حول حياته وإرثه الحقيقي، وفي الواقع، بالنظر إلى سنوات أوسلو، نادرًا ما وصلت أصوات الفلسطينيين – ضحايا مسيرة رابين المهنية التي استمرت عقودًا – إلى صفحات المنشورات الأمريكية المؤثرة، ولو تم سؤالهم أي الفلسطينيين، برما كان لدى العديد من الأمريكيين رأي أكثر استنارة حول سبب معارضة الفلسطينيين لتكريم رابين.

كمؤرخة، وأستاذة وكاتبة رأي فلسطينية أمريكية، تقول “نصار” إنها ومن خلال عملها بصفتها وتجربتها الشخصية، وجدت أن وجهات النظر الفلسطينية نادرًا ما تظهر في وسائل الإعلام الأمريكية السائدة؛ وتلاحظ قلة الأصوات الفلسطينية في المطبوعات الأمريكية خلال سنوات أوسلو، ولكن إلى أي مدى هذا هو الحال؟ كم عدد مقالات الرأي في وسائل الإعلام الرئيسية التي ناقشت الفلسطينيين بشكل فعال؟ كم عدد تلك القطع التي كتبها فلسطينيون؟ كيف تغير هذا الاتجاه بمرور الوقت؟ ذلك كان موضوع هذه الدراسة التي تستعرضها “الهدف”.

قامت الدكتورة نصار بإنشاء قاعدة بيانات للتحليل مركزة على المقالات وليس الأخبار والأسبوع،، الأول أن الأخبار بحد ذاتها وفي التحليل علمي لمنافذ إعلام رئيسية في الولايات المتحدة تم إثبات أن أخبارهم بالفعل مبنية على التحيز “لإسرائيل” والثاني، أن مقالات الرأي تلعب دورًا أقوى من أي وقت مضى في تشكيل فهمنا للأخبار. كما أوضح أحد المحررين في إحدى الصحف “في بيئة إخبارية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، يعرف الكثير من القراء ما حدث بالفعل؛ تساعدهم مقالات الرأي في تحديد كيفية التفكير في الأمر”.

إذن، كيف يتم تشجيع قراء الأخبار الأمريكيين على الفلسطينيين؟

عبر عدد من قواعد البيانات قامت “نصار” بالبحث عن “فلسطيني”، وقصرت نتائجها على الافتتاحيات (التي كتبتها مجالس التحرير)، والأعمدة (التي كتبها كتاب الأعمدة في فريق العمل)، ومقالات رأي الضيوف.

وتم تركيز العينات في صحيفتين يوميتين هما – The New York Times وThe Washington Post – ومجلتين إخباريتين أسبوعيتين – The New Republic and The Nation – على مدار 50 عامًا، من 1970 إلى 2019. نظرًا إلى أن التعليقات والتحليلات متضمنة في جميع المجلات الإخبارية الأسبوعية (بما في ذلك المقالات التي تم الإبلاغ عنها)، قامت بتضمين جميع المقالات التي ذكرت الفلسطينيين في عينتها.

تم اختيار مشتركين تايمز وواشنطن بوست بسبب انتشارهما الواسع، مع ما يقرب من 6 ملايين و1.5 مليون مشترك، على التوالي، وتم تضمين New Republic نظرًا لذلك الفلسطينيين، تشكيل وجهات نظر النخبة الثقافية والسياسية، خاصة من الثمانينيات وحتى أوائل القرن الحادي والعشرين. وقد أدرجت The Nation على أنها المجلة التقدمية الأكثر شهرة في الولايات المتحدة، مع سمعتها بأنها داعمة للقضية الفلسطينية.

لا حاجة للفلسطينيين

في تحليلها، تقول الدكتورة نصار إنها كانت تتوقع أن تجد عددًا قليلاً نسبيًا من مقالات الرأي للفلسطينيين، وهذا كان صحيحًا وهو ما يتعارض تمامًا مع مقدار الحديث عن الفلسطينيين في وسائل الإعلام الأمريكية على مدى عقود. يبدو أن مجالس التحرير وكتاب الأعمدة قد انشغلوا بالحديث عن الفلسطينيين، في كثير من الأحيان بطرق متعالية وحتى عنصرية – لكنهم بطريقة ما لم يشعروا بالحاجة إلى سماع الكثير من الفلسطينيين أنفسهم.

كان هذا الاتجاه لافتًا للنظر بشكل خاص في الصحافة اليومية، في نيويورك تايمز، أقل من 2٪ من حوالي 2500 مقال رأي ناقش الفلسطينيين منذ عام 1970 كتبها فلسطينيون في الواشنطن بوست، كان المتوسط ​​1٪ فقط.

كما أنّ الأرقام الخاصة بالمجلات الأسبوعية مذهلة أيضًا. خلال أوجها، كان للجمهورية الجديدة تأثير هائل على النخبة السياسية والثقافية في الولايات المتحدة، وفي المجموع، ظهر ما يقرب من 500 مقالة تناقش الفلسطينيين في هذه الصفحات على مدار 50 عامًا، وتم نشر أكثر من ثلثيها منذ عام 1990 – خلال الانتفاضة الأولى وتمهيدًا لعملية السلام في أوسلو، مع ذلك، من بين هذه المقالات الخمسمائة، لم يعتقد المحررون أنه من الضروري الحصول على وجهة نظر حتى فلسطيني واحد.

حتى The Nation، بسمعتها المدهشة كمجلة تقدمية ومؤيدة لفلسطين، لم يكن لديها سوى أرقام أفضل بشكل هامشي، بمتوسط ​​إجمالي يقارب 10٪.

دروس ادوارد سعيد

ما الذي يفسر هذه الإحصائيات المذهلة؟ ترى “نصار” أن أحد العوامل الرئيسية هو نقص الصحفيين وكتاب الأعمدة الفلسطينيين العاملين في وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الجاليات الأمريكية الفلسطينية (والعربية) صغيرة جدًا، لكن هذا الخط من الجدل يحجب حقيقة وجود العديد من الفلسطينيين المستعدين والقادرين على التعبير عن آرائهم ككتاب أعمدة ضيوف، ومع ذلك فقد تم استبعادهم بشكل روتيني من المنافذ الإخبارية الرئيسية.

خذ على سبيل المثال إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني الأمريكي الشهير والأستاذ في جامعة كولومبيا والذي كان مدافعًا صريحًا عن القضية الفلسطينية. بينما نُشرت ثلاثة مقالات افتتاحية لسعيد تناقش الفلسطينيين في صحيفة نيويورك تايمز في الثمانينيات، من توقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993 حتى وفاته في عام 2003، نشرت الصحيفة رسالة واحدة فقط “إلى المحرر” كتبها في يناير 1997، وانتقد فيها سعيد إطار أوسلو.

خلال ذلك الوقت، ظهرت مقالات رأي سعيد التي تشرح عيوب أوسلو القاتلة في الجارديان، الأهرام ويكلي، وحتى بيتسبرغ بوست-جازيت. ومع ذلك، فإن قراء “الجريدة الرسمية” الأمريكية لم يتمكنوا من سماع أحد أكثر النقاد الفلسطينيين بلاغة لرواية “عملية السلام”. بينما لا يمكننا معرفة ما إذا كان سعيد قد تواصل مع نيويورك تايمز من تلقاء نفسه، أو كم مرة، فمن المدهش أن الصحيفة لم تطلب صوته كشخصية فلسطينية بارزة ومساهم سابق.

وبدلاً من ذلك، تشكلت آراء القراء من قبل كتاب الأعمدة الذين تراوحت مقالات آرائهم الغزيرة عن الفلسطينيين بين التعالي المزعج والعنصرية الصريحة، وخلال التسعينيات كتب توماس فريدمان 33 عمودًا يناقش الفلسطينيين؛ وكتب ويليام سافير 24، وكتب أنتوني لويس 39، وأم روزنتال صاغ 56. وبينما اختلفوا حول جوانب مختلفة من أوسلو، لم يشكك أي منهم في تأطير أن “السلام” هو الهدف النهائي، وأن رابين كان “رجل سلام”، وأن الفلسطينيين الذين عارضوا أوسلو كانوا في الواقع معارضين للسلام.

ليس من المستغرب إذن أن معظم قراء الصحافة الأمريكية السائدة لن يفهموا أن رابين اعترف فقط بمنظمة التحرير الفلسطينية على أنها “ممثل الشعب الفلسطيني”، لكنه لم يعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة على خطوط 1967، لن يعرفوا أن المستوطنات غير الشرعية استمرت في التوسع تحت إشراف رابين.

لم يعرفوا أنه قبل شهر من اغتياله، طمأن رابين أعضاء الكنيست زملائه بأن الدولة التي يريدها الفلسطينيون ستكون “كيانًا أقل من دولة”، ولن يعرفوا أن رابين، في تلك الملاحظات نفسها، أوضح أن حدود “إسرائيل” ستكون “خارج الخطوط التي كانت موجودة قبل حرب الأيام الستة”، إلى جانب ” القدس الموحدة، والتي ستشمل كلاً من معاليه أدوميم وجيفعات زئيف [مستوطنات الضفة الغربية]، كعاصمة “لإسرائيل”، تحت السيادة “الإسرائيلية”، وهذا هو رابين الذي يعرفه الفلسطينيون جيدًا.

تشدد نصار أن محو هذه الحقائق – والتاريخ الأطول لنزع ملكية الفلسطينيين – في وسائل الإعلام الأمريكية لم يأت سهوا، لقد تم دمجها في رواية “عملية السلام” نفسها. وكان إدوارد سعيد بنفسه قد أشار إلى هذه الظاهرة: في قصة غلاف لمجلة نيويورك تايمز (ملحق منفصل للصحيفة) في عام 1999، كتب سعيد أن عملية أوسلو “تطلبت منا أن ننسى ونبذ تاريخنا الخاسر الذي حرمنا منه الأشخاص الذين علموا الجميع أهمية عدم نسيان الماضي”، تلاحظ نصار أنه وكما يظهر النقاش هذا الأسبوع حول رابين، فإن هذا النسيان لا يزال مطلوبًا من الفلسطينيين حتى يومنا هذا.

مشهد إعلامي متغير

قد يرفض بعض الناس الانتباه إلى المنشورات الإخبارية الأمريكية الكبرى باعتباره حماقة، قد يجادلون بأن وسائل الإعلام القديمة أصبحت أقل أهمية يومًا بعد يوم، وأنه لا ينبغي لنا أن نفرك أيدينا قلقا بشأن وضع وجهات النظر الفلسطينية في هذه المنافذ المحتضرة، لكن الجدل الأخير حول النائب أوكاسيو كورتيز يظهر أن تأثير هذه المنافذ الإعلامية لا يزال يتردد صداه اليوم، لا تزال هذه المنافذ لها تأثير في تشكيل عدد الأمريكيين الذين ينظرون إلى الفلسطينيين – ولا يزال الفلسطينيون مستبعدين من هذا النقاش. في عام 2020 حتى الآن، نشرت صحيفة نيويورك تايمز 39 مقال رأي في برامجها المطبوعة والإلكترونية التي تناقش الفلسطينيين؛ ثلاثة فقط صاغها فلسطينيون.

علاوة على ذلك، ترى نصار، إن إسكات الفلسطينيين هو جزء من مشكلة أكبر تتعلق بالتحيز المنهجي ونقص التنوع في الصحافة، لا سيما في منافذ الأخبار النخبوية. لا يقتصر الأمر على الفلسطينيين فقط: يواجه السود، والسكان الأصليون، واللاتينيون والأمريكان أسيويين، اللاتينية وغيرهم من الأشخاص الملونين عنصرية مستمرة في غرفة التحرير، مما يجعل من الصعب على وجهات النظر البديلة أن تشق طريقها إلى هذه الصفحات المؤثرة.

ترى نصار أن الفلسطينيين يحتاجون في النهاية، إلى تحدي الاستبعادات الهيكلية التي أسكتتهم لعقود. وأيضًا إلى تشجيع التغييرات التقدمية الحالية في المشهد الإعلامي من خلال دعم منصات الوسائط البديلة حيث هذا النهج المزدوج هو الطريقة الوحيدة لضمان سماع الأصوات الفلسطينية، والنبأ السار هو أن المزيد من الناس، بمن فيهم ممثلون سياسيون، ينتبهون لما يقال.

الهدف – ترجمة خاصة

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه