هل بدأ ماكرون يجد مصلحة فرنسا في عالم متعدد الأقطاب بدلاً من عالم القطب الواحد الأمريكي؟..بقلم تحسين الحلبي

حين قرر الرئيس الفرنسي ماكرون إجراء «الاحتفال الكبير» بذكرى مرور مئة عام على انتهاء الحرب العالمية الأولى قبل أيام في باريس وعند قوس النصر وقَبِلَ كل من رئيسي حكومة...

حين قرر الرئيس الفرنسي ماكرون إجراء «الاحتفال الكبير» بذكرى مرور مئة عام على انتهاء الحرب العالمية الأولى قبل أيام في باريس وعند قوس النصر وقَبِلَ كل من رئيسي حكومة ألمانيا وتركيا دعوته لحضور هذا الاحتفال إضافة الى رؤساء آخرين، كان ذلك يعني أن المنتصر الفرنسي جاء بالمهزوم الألماني والتركي الى قوس النصر في باريس لأنه يحتاج لألمانيا في أوروبا للغاية نفسها التي جمعت بين فرنسا وبريطانيا في الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا وتركيا في الحرب عام 1914، فتاريخ تلك الحرب يؤكد أنها أول حرب عالمية تتصارع فيها القوى الاستعمارية الكبرى من أجل الاستيلاء على ما تبقى من مستعمرات في أراضي السلطنة العثمانية في أوروبا وآسيا ومنع ألمانيا من سلب مستعمرات فرنسا وبريطانيا.
ففي عام 1914 كان السلطان العثماني قد خسر خلال 80 سنة 50% من الأراضي التابعة له لكل من الاستعمار البريطاني والفرنسي الذي كان قد سلب حتى ذلك الوقت شبه الجزيرة العربية كلها ومصر والسودان ودول شمال أفريقيا ومناطق واسعة في البلقان.
ومع بداية الحرب التي تحالفت فيها ألمانيا مع العثمانيين عام 1914 لم يكن قد بقي تحت سيطرة السلطان في منطقة الشرق الأوسط سوى بلاد الشام والعراق فقط وهي التي تقاسمها في نهاية الحرب الاستعمار البريطاني والفرنسي في اتفاقية سايكس- بيكو الشهيرة ولاسيما بعد أن رفضت الثورة البلشفية الاشتراكية عام1917 بقيادة لينين المشاركة في هذه الحرب الاستعمارية الى جانب فرنسا وبريطانيا بعد أن خلع قيصر روسيا الذي كان شريكهما في اقتسام المستعمرات قبل انتصار الثورة.
وعن هذه الاحتفالية المئوية يرى الكاتب (جيلبيرت دوكتورو) مؤلف كتاب (هل لروسيا مستقبل؟) الصادر عام 2015 في تحليل على موقعه الإلكتروني أن انتصار بريطانيا وفرنسا في تلك الحرب جعلهما يفرضان نظامهما العالمي ومنع ألمانيا من النهوض لمنافستهما بعد هزيمتها في تلك الحرب.
ويضيف (دوكتورو): أصبح الوضع في هذه الأوقات يشبه وضع ما قبل الحرب العالمية الأولى بين الدول الكبرى فالولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون الآن منع نهوض روسيا والصين كقوتين كبريين تفرضان دورهما في النظام العالمي الذي فرضته واشنطن منذ عام 1991 ولا ترغب بأن يشاركها أحد في وضع قواعده ومعاييره، بينما تسعى فرنسا وألمانيا إلى احتلال دورهما المستقل عن الولايات المتحدة في المقابل.
وبقيت ألمانيا محرومة من المشاركة في صياغة أي نظام عالمي بعد الحرب العالمية الثانية أيضاً، لكن السؤال الذي يطرح الآن هو: هل يستطيع ماكرون بدعوته ألمانيا انشاء جيش أوروبي موحد تكون قاعدته الأساسية ألمانيا وفرنسا للتقليل من الاعتماد على الدور العسكري الأمريكي أن يشق الطريق نحو التعددية القطبية؟ وفي هذه الحال يصبح لدينا قطب قوة كبرى اوروبية تشكلها فرنسا وألمانيا مع دول أخرى بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتوجهها نحو المزيد من الاعتماد على الولايات المتحدة أو التحالف الأنغلو- أمريكي الذي قد يضم الى جانبهما استراليا وايسلندا ونيوزيلاندا وكندا.
وإذا كان من الصعب العودة الى وضع عالمي مؤلف من قطبين كبيرين فيبدو أن عالماً متعدد الأقطاب أو ثلاثي الأقطاب سيصبح قابلا للولادة بعد أن بدأ ترامب بتطبيق شعار «أمريكا أولاً» بينما يحاول ماكرون الدعوة إلى وجود تعددية أقطاب تحتل في إطارها أوروبا دوراً أول مرة بعد أن انتزعت واشنطن منها هذا الدور في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتحول النظام الدولي الى عالم القطبين الأمريكي والسوفييتي إلى أن انهارت كتلة الدول السوفيتية عام 1991 وأصبحت أمريكا القطب الأوحد.
ويبدو أن العالم يسير الآن بعد تجربة عالم القطبين ثم عالم القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب وربما من ثلاثة أقطاب تتراوح درجة نسب القوة فيما بينهم بشكل متوازن يجعل الحروب المباشرة فيما بينهم خاسرة في معظم أبعادها لكل من يلجأ اليها بموجب ما يراه عدد متزايد من المحللين في الشؤون الاستراتيجية الدولية.
وفي النهاية لم يعد في مقدور ترامب منع موسكو وبكين من فرض مساهمتهما في صياغة مستقبل هذا العالم كما لم يعد في مقدور ألمانيا وفرنسا ودول أخرى أوروبية الوثوق بدور أمريكي يحترم مصالحها أو يسمح لها بمساحة واسعة في رسم سياستها الأوروبية مع روسيا والعالم ولذلك لا بد أن تشق طريقها ضمن علاقات متوازنة بين قطب موسكو بكين والقطب الأمريكي.
وفي هذا الإطار لن يعود ترامب قادراً على التحكم في منطقة الشرق الأوسط وفرض قراراته الأحادية عليها وعلى العالم.

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه