مونسيل: الجاسوس البريطاني الغامض الذي خطط لغزو شمال فلسطين

“حيفا “ليست محصنة، ومكشوفة تماما لهجوم الأسطول، ليس لدى الأتراك أي إجراءات لصد الهجوم سوى المدافع الميدانية، والتي يمكن نصبها على جبل الكرمل، المكان الطبيعي للبطاريات قبالة البحر، الفنادق...

“حيفا “ليست محصنة، ومكشوفة تماما لهجوم الأسطول، ليس لدى الأتراك أي إجراءات لصد الهجوم سوى المدافع الميدانية، والتي يمكن نصبها على جبل الكرمل، المكان الطبيعي للبطاريات قبالة البحر، الفنادق في المدينة تعاني من القصف، وفي نهاية القصف يمكن تنفيذ إنزال على الرصيف للسيطرة على محطة القطار وفتح الطريق إلى الناصرة والمستوطنات اليهودية وقطع طريق المرور الرئيسية”.

بهذه الكلمات وصف الجاسوس البريطاني الشهير اللفتنانت كولونيل فرانسيس ريتشارد مونسيل الذي وصل إلى فلسطين عام 1907 الوضع في مدينة حيفا، وكان قبلها ملحقا عسكريا فير استنبول، حيث قام بجولة استمرت شهرين في شمال فلسطين بالقطار والعربة وركوب الخيل، وجمع الوثائق والمعلومات ووصل في رحلاته إلى وادي الأردن ودرعا في سورية، وإلى المنطقة الواقعة بين دمشق وطرابلس وعلى طول سكة حديد الحجاز التي كانت في مراحل بنائها النهائية، وكان الغر من رحلته جمع معلومات جغرافية استخبارية عسكرية، يمكن أن يستخدمها البريطانيون إذا قرروا غزو شمال فلسطين وانتزاعه من العثمانيين.

وإلى جانب الأوصاف الواضحة والخرائط والرسومات الدقيقة المصنوعة يدوياً، قدم مونسيل أيضًا معلومات ملموسة عن الأسلحة والذخيرة وسبل تجاوز القوات العسكرية ونقاط الضعف والسكان المحليين الذين لديهم القدرة على العمل كحلفاء، وأكثر من ذلك، خلال رحلاته على طول خطوط السكك الحديدية أحضر الرسوم البيانية الكاملة لنظام السكك الحديدية والمحطات.، وقد مكنته الجولات القريبة من شواطئ البلاد والساحل السوري من إنشاء خريطة كاملة لنقاط مناسبة لهبوط الوحدات المسلحة.، ولخص مونسيل النتائج التي توصل إليها في تقرير من 160 صفحة تم تقديمه في عام 1908 إلى مكتب الحرب البريطاني.

لم تكشف محفوظات الدولة في لندن عن كتابات هذا الجاسوس إلا في العام 1988، حيث استغرق الأمر عشرين عاما إضافية للمؤرخ الصهيوني بيغال شيفي للكشف عنها بالصدفة، حيث تبين أن الجيش البريطاني الذي غزا فلسطين عن طريق سيناء في الجنوب، كان لديه في الواقع خطة إضافية للغزو البحري في الشمال، ويقول شيفي إن الهبوط في فلسطين عن طريق البحر كان أمرا طبيعيا بالفعل بالنسبة للأسطول البريطاني القوي،، خصوصا أنهم في عام 1906 لم يكونوا مهتمين بغزو دائم لفلسطين، ولكن في السيطرة على الجزء الشمالي بسبب الخوف الكبير من أن الأتراك سوف يهاجمون قناة السويس، وأراد البريطانيون إيجاد طريقة لتهديد السلطان العثماني، وقطع حركة قوّاته نحو مصر في حال تهديدها للقناة وبرزت فلسطين باعتبارها ساحة المعركة المحتملة، ويضيف ” من الشائع الاعتقاد بأن البريطانيين أرادوا الاحتفاظ بالأراضي المقدسة، لكن القدس ، على سبيل المثال، لم تكن تهمهم في ذلك الوقت استراتيجياً “.

على سبيل المثال، في وصف طريق خط سكة حديد الحجاز، كتب مونسيل: “يمتد نحو 500 متر عبر طريق الناصرة إلى المحجر عند سفح الكرمل، الذي يستخدم لاستخراج الحجارة من أجل بناء الرصيف” حيث في تلك الأيام خطط العثمانيون لما كان يسمى” رصيف سكة حديد “في أول ميناء في حيفا، حتى ذلك الحين كانيوجد رصيف خشبي وحديدي استمر أكثر من مئة عام، وتمت إضافة المزيد من الحجارة، وما زال المحجر موجودا اليوم.

ويضيف مونسيل “أرض إسرائيل نفسها تفتقر إلى سلاسل الجبال، و لا شيء غير العديد من التلال الصخرية التي تمتد من السهل الساحلي إلى حافة وادي الأردن، وجنوبا إلى تخوم مصر وقليلة هي الطرق التي تعبر التلال و يمكن للسيارة أن تتحرك عبرها، والمنطقة ليست مريحة للعمليات العسكرية على الإطلاق، والطرف الشمالي تحده التلال التي تشكل سلسلة من التلال الصخرية الرائعة من جبل الكرمل، وتعادل حيفا ينتهي مليار قدم مكعب”.

ويضيف “على طول الجبال القريبة من الساحل هناك نوعان من الثغرات الطبيعية فقط، والتي يمكن استغلالها من التسلل إلى البلاد واحد على مسافة مريحة بين الأنصار والجبال الشمالية في لبنان، و يمر الطريق من طرابلس إلى الشام،، والآخر المهم وعلى نطاق أوسع، بين حيفا وعكا ويصل بين جنوب جبال لبنان وجبال إسرائيل، ويسمح – بعد عبور الأردن جنوب بحيرة طبريا – بالوصول إلى سهول حوران ودمشق نفسها.” مؤكدا أن هذا المدخل كان “دائما بوابة الدخول من السهل الساحلي إلى قلب سورياودمشق العاصمة”.

أصبحت وثائق مونسيل الأساس الذي استندت إليه عملية غزو فلسطين في نهاية قرن من الهدوء، حيث كانت بريطانية والامبراطورية العثمانية على حافة النزاع، بذريعة ما عرف بـ”أزمة طابا” أو “أزمة العقبة” وهي مسألة حدود سيناء المتنازع عليها في العد الفاصل بين سيطرة البريكانيين في مصر والعثمانيين في الأرن وفلسطين.

في وقت أزمة طابا، كانت قناة السويس ذات أهمية قصوى للبريطانيين، وقد مرت 40 في المائة من صادراتها ووارداتها من خلال القناة، وهو ما يمثل 80 في المائة من جميع السلع المنقولة إلى هناك.، ورأت بريطانية أن سيناريو نجاح الأتراك في الاستيلاء على هذا المسار البحري هو مشهد قابل للتكرار للحكومة البريطانية، التي نظرت إلى امبراطوريتها كقوس يمتد من لندن وينتهي في كلكتا أو بومباي.

تم حل أزمة طابا بعد استسلام السلطان للمهلة البريطانية، ولكن في لندن بقي الخوف من المواجهة بين الإمبراطوريتين، وكانوا يريدون أن يكونوا مستعدين لمثل هذه الحالة”.

وعندما فحص البريطانيون معلوماتهم عن فلسطين، أدركوا أنهم يفتقرون إلى المعلومات الجيدة، وركزوا جهودهم الاستخبارية في نهاية القرن التاسع عشر، على المناطق المحمية العثمانية قرب روسيا، وليس في الجنوب، وأدركوا أن عليهم تدارك الفراغ.

والطريقة الأكثر شيوعاً لإدارة مثل هذه المهام الاستخبارية كانت الرحلات والجولات الخاصة التي أجراها الضباط البريطانيون في مختلف البلدان، “الجواسيس” والتي كان يتم تمويلها في كثير من الأاحيان من جيوب هؤلاء أنفسهم بسبب شغفهم بالرحلات والاستكشاف، وروح المغامرة.

كان اللفتنانت كولونيل فرانسيس مونسيل، الرجل الذي اختير لهذه المهمة هذه المرة، ضابطًا يبلغ من العمر 46 عامًا من أصل أيرلندي، وهو خبير في المدفعية، سبق له زيارة جبل طارق، وكردستان والهند والعراق وكان يتمتع بعلاقات واسعة، ومهني دقيق.

نظمت رحلة مونسيل إلى فلسطين من قبل وزارة المالية، فرع العمليات الخاصة في إدارة العمليات في الجيش البريطاني، وهنا قدم نفسه كسائح بريء مهتم بالشرق، وعند الضرورة، كان يساعده المترجمون أو القنصلية البريطانية في المنطقة. “، ولم يكن ينظر إلى هذه الرحلات كمهام تجسسية بالمعنى الموجود اليوم، وكان بإمكان المسافرين التنقل بحرية في الإمبراطورية العثمانية دون خوف، ولم يتم معاملتهم كعدو، بل كأوربيين يتجولون وإذا كانوا يجمعون المعلومات، وكانو يستفيدون من النظام الخاص الممنوح للمواطنين الأوربيين في المنطقة العثمانية الذي حول القناصل إلى ملوك محليين لرعاياهم، وبالاستفادة من العلاقات مع الحكام المحليين وعدم مركزية الحكم العثماني.

ويمكن تعلم الموقف غير الرسمي تجاه الجواسيس شبه المرئيين من إنجازات مونسيل في جمع المعلومات الاستخبارية على سكة حديد الحجاز، خط السكة الحديد الذي افتتح عام 1908، الذي ربط دمشق بالمدينة المنورة في الحجاز و أحد فروعه هو “قطار الوادي” – وهو المسار الذي يربط بين حيفا ومدينة درعا السورية، و من وجهة النظر البريطانية، كان المعنى الحقيقي لسكة حديد الحجاز العلاقة بين حيفا وأوروبا، بطريقة يمكن أن تخدمهم كذلك، نجح مونسيل في زيارة المشروع الجديد قبل إتمام العمل مباشرة وتقديم الكثير من المعلومات عنه، بما في ذلك رسم خرائط للمنشآت العسكرية بالقرب من المساراتو مصدر معلومات الذي لا ينضب بالنسبة له هو مهندس خط السكة الحديد الحجاز نفسه، هاينريش أوغست مايسنر، الذي لم يتردد في وضع جميع خطط التوسع في السكك الحديدية، بما في ذلك الرسومات الدقيقة. أمام مونسيل.

وتم الحصول على مزيد من المعلومات من الضباط الأتراك الذين سافروا معه في السيارة، أو من طبيب تبشيري مقيم في دمشق، أو من تاجر عربي في طرابلس، لم يكن هناك نقص في المتحدثين، حتى إنه حتى أنه لم يتردد في دفع رشاوى، ووزع ما يعادل حوالي 2.540 جنيه إسترليني اليوم، ولم يتردد في أخذ إيصالات مقابل المال.

“في وصفه لحيفا يقول أيضا ” تقع مدينة حيفا القديمة، بشوارعها الضيقة المتعرجة والمنازل الكثيفة، جزئياً عند سفح المنحدر وجزئياً على النتوءات التي تنحدر من التلال الحادة خلفها، و تقع المستعمرة الألمانية في الغرب ويمكن التعرف عليها بسهولة من منازلها المنظمة والشوارع المنظمة (…) وتقع محطة القطار والرصيف في شرق المدينة على حافة الخليج، حيث تأسست مستعمرة يهودية على المنحدر فوق المحطة، (…) وفي المستعمرة الألمانية 700 شخص، مع كروم العنب على سفوح الكرمل، تنتج النبيذ الأحمر والأبيض ذا نوعية جيدة (…) الشارع الرئيسي في حيفا، مليء بالمحلات التجارية، ويمتد موازيا للشاطئ. وهو ضيق في المدينة القديمة، ولكنه في الجزء الغربي يصبح طريقًا جيدًا يصل إلى المستعمرة الألمانية”.

على العكس من كتابات هرتزل عن حيفا، بأنها مدينة بدأت تتبلور في القرن الثامن عشر في ظل عكا، التي كانت أهم مدينة في الشمال، فإن فتح قناة السويس وحاجة البواخر الكبيرة إلى رصيف واسع غير ضحل، بدأت حيفا تستحوذ على المكانة الهامة على ساحل فلسطين، وصارت وجهة مفضلة لقادة البواخر.

ويقول المؤرخ الصهيوني بن آرتسي، إن حيفا صارت مهمة بسبب الحتمية الجغرافية، وبحث السفن عن ميناء آمن وتخدمه السكك الحديدية، وهذا الأمر وضع يافا في مركز تنافسي كبوابة للقدس وكانت غزةمنافس أيضا لانفتاحها على مصر وسيناء ولكنها كانت منافس ضعيف لأنها لم تكن مناسبة لبناء حوض لبناء السفن.

وبصرف النظر عن خطة غزو حيفا، وصف مونسيل أيضا طريقة ممكنة للتغلب على عكا، أو اقتراح لغزو كلاهما في وقت واحد، وكت وصفا جغرافيا دقيقا للمدينة من وجهة نظر عسكرية، وأضاف إنها غير متعاونة رغم تدميرها عدة مرات وفيها ” 11000، منهم 8000 المسلمين السنة والبقية مسيحيين، الكاثوليك والروم الأرثوذكس” وفيها تم افتتاح تحصينات على الابحر، وبوابة واحدة بالقرب من الساحل الشرقي، وثلاث بطاريات مدفعية ميدان وثلاث حصون جبلية لحملة البنادق.

يعترف المؤرخ الصهيوني شيفي: “يبين هذا التقرير أن أرض إسرائيل في تلك الأيام ليست صحراء ولا فارغة”، و”خلافاً لبيانات مختلف العناصر التي تحاول أحيانًا تشكيل التاريخ كان هناك استيطان بشري كبير وهذا البلد حي” .

ويزعم شيفي أن اليهود مثلوا حوالي 11 في المئة من 600 ألف نسمة من البلاد، على الرغم من أن مونسيل يشير إلى حد كبير إلى توسع استيطاني في فترة قصيرة، وأن مجتمع القدس كان فيه 30 ألف يهودي من جميع أنحاء العالم،.

كانت مساهمة مونسيل في الاستخبارات والجغرافيا البريطانية غير قابلة للشك، وكان محل إعجاب كبار المسؤولين في الأنظمة السياسية والعسكرية، ومع ذلك، من الصعب الحصول على سيرة ذاتية دقيقة له، ويبدو أنه اختفى بعد الحرب العالمية الولى، ونشرت وفاته عان 1936 ويعتقد أنه كان مثلي الجنس، ولاتوجد له أي صورة معروفة وليس له عائلة.

– استند النص إلى مقال طويل في صحيفة مكور ريشون الصهيونية 

عن بوابة الهدف

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه