لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة

لا يوجد فلسطيني لا يشعر بالعزة والشموخ والفخر عندما يذكر اسم الشهيد القائد خليل الوزير ” أبو جهاد ” أحد أهم وأبرز قيادات حركه فتح , والذي حلت الذكرى...

لا يوجد فلسطيني لا يشعر بالعزة والشموخ والفخر عندما يذكر اسم الشهيد القائد خليل الوزير ” أبو جهاد ” أحد أهم وأبرز قيادات حركه فتح , والذي حلت الذكرى ال31على استشهاده منذ ثلاثة أيام عندما تم اغتياله على يد «الموساد»  في 16 ابريل عام 1988″ تزامنا مع أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى , فهو أحد أبرز مهندسي الانتفاضة الشعبية الأولى.

ليس سهلا أن نسرد في مقال واحد المسيرة النضالية لهذا القيادي الأسطورة الذي دون اسمه في صفحات المجد في سجلات التاريخ، لذلك سنستعرض مع نجله “باسم” الجانب الانساني في حياته والذي يروي شخصيته ومواقفه التي خلدت في وجدان كل فلسطيني أحبه، وعشق سيرته النضالية.

“دار الحياة” أجرت اتصالا مع نجله “باسم خليل الوزير ” الذي تحدث عن والده فقال :

كان أبو جهاد شخصية رقيقة و حنونة، دائما مفعما  بالحيوية و التفاؤل و الامل. كان دائم الحركة ولا يكل او يمل، يصل النهار بالليل في العمل سبعة ايام في الاسبوع. لم يكن يأخذ اجازة أوعطلة نهاية الاسبوع. كان مؤمنا بدور الشباب و باستقلالية الرأي فقد كان يدعم التجربة الديمقراطية في الجامعات والنقابات بكافة اشكالها وتياراتها. كان يحثنا نحن ابناؤه على القراءة  و تحليل ما وراء الخبر وكان بيتنا عبارة عن مكتبة ضخمة فيها مختلف أنواع الكتب وبخاصة كتب الفكر والسياسة وأدبيات الثورة الفلسطينية وكتب عن العدو الإسرائيلي. وكان دائما يشجعنا على ممارسة حقنا في ابداء الرأي بشكل ديمقراطي.

  كان يمضي معظم وقته في جمع المعلومات عن الوطن و احوال الناس في الارض المحتلة، كان يلتقي بقيادات ونشطاء و اشخاص من شتى نواحي الحياة و يستمع لهم و لهمومهم أو يعطيهم مبادرة أو يطلب منهم نقل رسائل للداخل و يشرح لهم أهمية النضال أو موقف معين من حدث ما أو قرار للقيادة الفلسطينية. كان شديد التركيز على سرد قصته الشخصية التي بدأت بالنكبة والتشرد وصولا الى نظريه التغيير و ضرورة الثورة كرفض للواقع المر و رفض للخنوع أو الاستسلام وكان يطلب من الجميع أخذ زمام المبادرة في تغيير واقع ابناء شعبنا تحت الاحتلال. 

ويضيف: والدي منذ كان صغيرا كان يعمل في محاولة منه لكسب رزق يساعد به والده البقال. ومنذ طفولته  كان محباً للخيل، وفي إحدى المرات ذهب من الرملة إلى يافا على ظهر حصان لتسليمه إلى تاجر خيول، وعند عودته تعرض الحصان للسعة نحل، فسقط عن الحصان، وكسرت يده.

 وكان يحب التصوير و لديه كاميرا استخدمها في أخد صور ليبين من خلالها معاناة ابناء شعبنا خلال و بعد النكبة و كان يرسل هذه الصور لمجلات أجنبية.

وتابع باسم قائلاً: ولدت عام 1967 في سورية، أسماني والدي باسم “رغم النكسة”  فيوم ولادتي كان هو والشهيد ياسرعرفات قادمان من مطار دمشق  بعد استلام شحنة من الاسلحة جاءت هدية من الصين للثورة الفلسطينية بعد هزيمة حزيران 1967.

 ويضيف باسم: كان الوالد يحرص على انخراطنا بمعسكرات الاشبال اذ كان عمري سبع سنوات فقط في أول معسكر حضرته في الهامة في دمشق تلاها معسكرات اخرى في سوريا و اليمن و الجزائر.

 ويتابع: كانت قمة السعادة عندي أنا و اخوتي عندما كان يصطحبنا في رحلة لزيارة المقاتلين في القواعد العسكرية في الجنوب اللبناني أو لمشاهدة فلسطين من على قمم جبال السلط أو الاغوار وأي مطل على فلسطين بالقرب من الحدود بما فيها العقبة ويشرح لنا عن البلاد، ويشير إلى المدن والمناطق. فقد كان هدفه ترسيخ حب الوطن فينا و دائما كانت عواطفه تترجم ذلك و شوقه للعودة.

وعن الانتفاضة قال باسم :”اتخذ القرار بانقل ساحة المعركة والبدء بالتحضير للعمل الجماهيري المقاوم في الداخل و كل ذلك كان بالسر و بدون اعلام.

وأضاف: “الانتفاضة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتيجة التراكمات  و المعاناة التي واجهها شعبنا، والتحضير للانتفاضة اخذ وقتا كثيرا، وهي مذكورة في اوراق الشهيد كمال عدوان و الاوراق التي عند الوالد تناقش الانتفاضة منذ ذلك الحين كما انه درس جميع التجارب الثورية في العالم بما فيها الصينية و الفيتنامية و تجربة غاندي و كان قد التقى تشي جيفارا في الجزائر هو و الوالدة أثناء تواجده في الجزائر على هامش مؤتمر للبجر المتوسط عام 1962 ، فقد كان لكل هذه التجارب اثرا في صياغة شخصيته و اصراره على التعلم من تجارب الشعوب.  فكرة نقل العمل الثوري من الخارج الى الداخل تبلورت بعد الخروج من بيروت عام 1982، فاتخذ القرار بانقل ساحة المعركة والبدء بالتحضير للعمل الجماهيري المقاوم  في الداخل و كل ذلك كان بالسر و بدون اعلام.

والناس اعتقدت ان الانتفاضة عفوية، لكن كان مخطط لها وممنهجة. وبعد اندلاعها ، تحدث الوالد في اجتماع  للمجلس المركزي لمنظمة التحرير المنعقد في بغداد بمداخلة طويلة عن معنى الانتفاضة واهميتها الاستراتيجية للشعب الفلسطيني، والمداخلة اليوم موجودة كوثيقة في المجلس المركزي ولها وصايا خطها الوالد بيده فيما يعرف بدستور الانتفاضة.

أذكر أنه قام بتكلف طلاب في الارض المحتلة باجراء دراسة و مسح عن حال الشياب الفلسطيني داخل الارض المحتلة عام الـ 48 و طبع هذ الكتاب و اسمه Citizens Apart بعد استشهاده. فقد   كان أبو جهاد مؤمنا بالدور النضالي لكل فرد في المجتمع و كان يوجه القيادات الميدانية في الارض المحتلة للدعوة لبناء الاقتصاد المقاوم و الاكتفاء الذاتي و مقاطعة الاحتلال و منتجاته،و تلك كانت سمات الانتفاضة. لذا لو كان حاضرا بيننا لكان المتبني الاول لحركة المقاطعة الـ BDS.”

خليل الوزير قاد العمل العسكري ضد الاحتلال الصهيوني و كانت له ضربات موجعة و هو مهندس الانتفاضة الشعبية الأولى التي اندلعت في كانون الأول/ ديسمبر 1987، وشارك في توجيهها ودعمها حتى ساعة استشهاده .قامت مجموعة من 28 شخصا من وحدة “سييرت متكال” العسكرية الإسرائيلية، بقيادة المقدم موشيه بوغي يعلون، الذي أصبح لاحقاً رئيس الأركان ثم وزير الدفاع، باغتياله في منزله في حي “سيدي بو سعيد” في تونس في 16 نيسان/ أبريل 1988.

 نُقل جثمانه إلى مدينة دمشق حيث شيعه مئات الآلاف من الفلسطينيين والسوريين  في جنازة مهيبة ودفن في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك.

خمس وسبعون رصاصة في جسد خليل الوزير “أبو جهاد”، ثمانٍ منها في القلب، لم توقف نبض انتفاضة الحجارة، بل دفعتها لإعلاء عبارتها الأولى والتي كتبها أبو جهاد بنفسه: لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة.

دار الحياة:جيهان الحسيني

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه