لا تلوموا الإمارات , بل لوموا أنفسكم !

كان الدكتور حيدر عبد الشافي (توفي في العام 2007 ) رحمه الله ، واحدا من أهم رموز الحركة الوطنية الفلسطينية في النصف الثاني من القرن العشرين , وقامة سياسية...


كان الدكتور حيدر عبد الشافي (توفي في العام 2007 ) رحمه الله ، واحدا من أهم رموز الحركة الوطنية الفلسطينية في النصف الثاني من القرن العشرين , وقامة سياسية , وعلمية وإجتماعية تحظى باحترام كافة المنظمات والفصائل الفلسطينية لما اتصف به من النزاهة , والاستقامة ، والمصداقية ، والشجاعة في إبداء الرأي.
ترأس الدكتور حيدر عبدالشافي الوفد الفلسطيني المفاوض في مؤتمر مدريد للسلام والذي عقد في تشرين الأول1991 , وبعد خمس جولات من المفاوضات مع الإسرائيليين أعلن الدكتور حيدر أن ” المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود”.
ذهب الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد للسلام متسلحا بالقرار الأممي رقم 242 والصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نوفمبر 1967 , والذي ينص على أمرين جوهريين : إنسحاب إسرائيل من الأراضي التي إحتلتها في الخامس من حزيران 1967 , وعودة اللاجئين .
وفي العام 1993 إستقال الدكتور حيدر من رئاسة فريق المفاوضين الفلسطيني بعدما علم بوجود مفاوضات سرية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في أوسلو، عاصمة النرويج، وأن تلك المفاوضات كانت تتناول الأمور الإجرائية المتعلقة بإقامة سلطة وطنية فلسطينية على أجزاء محدودة من الأراضي المحتلة ، دون التطرق إلى القضايا المصيرية الكبرى ، مثل: الحق في إقامة دولة مستقلة على كامل الأراضي الفلسطينية، الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة ، اإزالة المستوطنات، الحدود، عودةاللاجئين، والوضع النهائي لمدينة القدس .
في تلك المفاوضات السرية , والتي كانت قد بدأت في العام 1989 , وافق الجانب الفلسطيني على أن لا يكون القرار 242 أساسا ومرجعا للمفاوضات , وأن المرجعية ستكون محصورة في ما سيتوافق عليه الطرفان في المفاوضات السرية , وليس ما يطالب به الفريق الذي كان يقوده الدكتور حيدر عبدالشافي
لقد أدرك الدكتور حيدر بفطنته السياسية أن تلك المفاوضات السرية ستؤدي إلى تنازلات كبيرة من الجانب الفلسطيني بلا مقابل من الجانب الإسرائيلي، فأعلن رفضه التام لها . مفاوضات أوسلو السرية شكلت أيضا مفاجأة كبيرة للراحل الملك حسين وأثارت غضبه .
والمثير للريبة في تلك المفاوضات السرية ، أن الفصائل الفلسطينية الممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، ما عدا حركة فتح، لم تكن على أدنى علم بتلك المفاوضات. وحرص الرئيس عرفات على إبقاء الأمر طي الكتمان، وظل هو شخصيا المرجعية الوحيدة للوفد المفاوض ، والذي ضم في عضويته : حنان عشراوي ، صائب عريقات ، وأحمد قريع … واخرين، وكلهم من البطانة المقربة لعرفات. وهذا يعني أن الاتفاقيات التي تمخضت عن مفاوضات أوسلو السرية كانت بين إسرائيل وحركة فتح , وليست بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية, الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني .
وفي حوار أجرته معه مجلة الدراسات الفلسطينية في العام 1993( العدد 16 ) سئل الدكتور حيدر: ما هي ردود فعلك على الإتفاقية ( اتفاقية أوسلو ) ؟ فأجاب: “لقد أصبت بخيبة أمل كبيرة… أعتقد أننا قمنا بتضحيات مخيفة في مقابل اتفاقية تشتمل على عيوب كبرى .”
وعدد الدكتور حيدر بعض عيوب تلك الاتفاقية ، وأهمها:

  • – الاتفاقية لا تعالج المطالبة الإسرائيلية غير القانونية بالأراضي الفلسطينية. لقد ادعت إسرائيل أنها ليست ” محتلة”، وأنها موجودة في الأراضي المحتلة بحكم حقها فيها* …. ولا يوجد في الإتفاقية ما يشير إلى أن إسرائيل قد تخلت عن هذا الإدعاء. والإتفاقية لا تجاوب على هذه المسألة بل تتجنبها….لا يوجد في الإتفاقية ما يشير إلى أن النشاط الاستيطاني سيتوقف. ونحن بعدم إعتراضنا نكون جوهريا قد تغاضينا عنه، ويمكن لإسرائيل أن تستشهد بصمتنا على أنه موافقة ضمنية، وعلى أنه تخل عن حقنا في دولة مستقلة .
  • القبول الضمني من الجانب الفلسطيني بوجود كيانين منفصلين في المناطق الفلسطينية، وبادارتين منفصلتين، ونظامين قضائيين منفصلين… أي أننا بمحض اختيارنا ساعدنا في إضفاء الشرعية على ما أنشأته إسرائيل بطريقة غير شرعية.
  • الاتفاقية عددت القضايا المؤجلة: القدس، المستوطنات، والحدود، واللاجئين*.
  • لم يرد في الإتفاقية ذكر لأي انسحاب من الأراضي المحتلة *, وأوضحت إسرائيل مرارا وتكرارا أنه لا نية لديها للانسحاب إلى خارج الأراضي المحتلة.
  • بالنسبة لموضوع عودة اللاجئين , فإن ” كل ما تنص الإتفاقية عليه هو أن الموضوع خاضع للنقاش، وسيكون لاسرائيل دائما حق النقض(الفيتو ).”
    وعندما سئل الدكتور حيدر : أليس الأمل هو أن الإتفاقية ستؤدي إلى إنهاء الإحتلال، والحصول على استقلالنا؟
    أجاب: ” لا أعتقد أن ذلك سيحدث. في اعتقادي أنه لا نية لدى إسرائيل للسماح بقيام دولة أبدا. إنهم يقولون ذلك بأنفسهم مرارا وتكرارا “.
    وتتوالى الصدمات تباعا في الحوار مع الدكتور حيدر ، ليرينا بوضوح حجم الكارثة التي تسببت بها اتفاقية أوسلو , قائلا : ” عندما تبنينا مبادرة السلام سنة 1988، وقبلنا مبدأ الدولتين حلا، قمنا بالتنازل عن ثلاثة أرباع بلدنا…. والآن، بهذه الاتفاقية، تنازلنا عن الربع الباقي “.
    وعندما سئل الدكتور حيدر: ماذا كان البديل عن هذه الاتفاقية؟
    أجاب: كان البديل عدم التوقيع. كان البديل عدم التسليم بمطالبة إسرائيل بالأراضي المحتلة.
    ولكن الرئيس عرفات، كما ذكر الدكتور حيدر في حوار آخر كان ” مستعجلا للعودة ، وإقامة سلطة ” بأي ثمن , حتى لو أدى ذلك إلى التنازل عن كل الثوابت الوطنية الفلسطينية , وإلى الخروج على الإجماع العربي .
    وهكذا، وبعد مرور سبعة وعشرين عاما على اتفاقية أوسلو يثبت التاريخ أن الدكتور حيدر عبدالشافي كان صادقا وموضوعيا في اعتراضاته على الإتفاقية، لأنها كانت تمثل تنازلا عن كافة الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني , ولم تؤد إلا إلى قيام سلطة الحزب الواحد القمعية , ممثلة في حركة فتح , وظيفتها الأساسية التنسيق الأمني مع إسرائيل , وقمع الحراك الوطني الفلسطيني المسلح في الداخل , وخلق شبكة واسعة من المسؤولين الفاسدين المرتبطين مصلحيا بالكيان الصهيوني.
    ومنذ توقيع إتفاقيات أوسلو, الأولى والثانية , فقدت القضية الفلسطينية الدعم العربي , والإسلامي , والدولي , وصارت كل الأطراف تردد مقولة ” نرضى للقضية الفلسطينية ما يرضى به الفلسطينيون ” . ومن هنا , فإنه لا يبدو لي منطقيا على الإطلاق توجيه كل اللوم إلى الإمارات أو أي دولة تفكر في إقامة علاقات مع إسرائيل , بل اللوم كل اللوم , يجب أن يوجه إلى القيادة الفلسطينية التي تنازلت عن كل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني , وقدمت المبررات والذرائع لكل الأطراف العربية والدولية للتطبيع مع إسرائيل.
    وإذا أردنا بالفعل , أن نعيد للقضية الفلسطينية زخمها , وأن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة , فإنه يتوجب على الشعب الفلسطيني أن يخلق قيادة بديلة للقيادة الحالية والتي أثبتت فشلها على مدى سبعة وعشرين عاما , وأن يعاد تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية لتكون ممثلة بالفعل لكل الأطياف الفلسطينية , وليس إدارة تابعة لحركة فتح .
    أيها الفلسطينيون , لا تطلقوا النار في الإتجاه الخطأ!
  • إستغلت إسرائيل هذا المبدأ للتصرف بحرية في مصادرة الأراضي، وإنشاء المستوطنات، وضم القدس . واعتبرت إسرائيل أن أي “فتات” تقدمه للفلسطينيين هو كرم منها، وتنازل عن حق من حقوقها.
  • أي أن كل القضايا الجوهرية في الصراع لم يتم التطرق إليها في المفاوضات، فعلى ماذا كانوا يتفاوضون؟
  • الجانب الفلسطيني وافق على إعادة تموضع الجيش الإسرائيلي خارج التجمعات السكانية الفلسطينية والبقاء على حدودها لا أكثر.
    د. خالد قرمش
لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه