كنداكات وجنرالات.. بقلم: نبيه البرجي

حين سئل الفريق سعد الدين الشاذلي، بطل العبور في حرب 1973، «لماذا لم تقم بانقلاب ضد أنور السادات؟»، أجاب «لقد دخلت في الجندية لأكون في خدمة مصر، لا لتكون...

حين سئل الفريق سعد الدين الشاذلي، بطل العبور في حرب 1973، «لماذا لم تقم بانقلاب ضد أنور السادات؟»، أجاب «لقد دخلت في الجندية لأكون في خدمة مصر، لا لتكون مصر في خدمتي». في أميركا اللاتينية، حيث كانت الانقلابات العسكرية تنفذ على وقع كؤوس الشامبانيا في وكالة الاستخبارات المركزية، لم يعد بابلو نيرودا هناك ليقول «لا تطفئوا عيوننا بفوهات بنادقكم». الجنرالات كانوا يجثون أمام تماثيل السيدة العذراء ليلاً ونهاراً كانوا يملأون الأفواه بالشمع الأحمر. نيرودا سأل «كيف لأزهار البنفسج أن تتفتح داخل الأحذية؟». الجنرالات في ما كانت تدعى «جمهوريات الموز» باتوا يفضلون رؤية أفلام «والت ديزني» على نشر الدبابات في الشوارع. النجمة الهوليوودية ميلينا ميركوري، وقد شغلت في وقت لاحق منصب وزيرة الثقافة في اليونان، كتبت في «لوس أنجلس تايمز»، ابان حقبة الكولونيلات، «ياللهول، الهيكل العظمي لأفلاطون معلق على حبل المشنقة!!». حتى في سوريا التي كانت تنام على انقلاب وتستفيق على انقلاب، نثرت مليارات الدولارات، منذ اندلاع الأزمة، لاعداد انقلاب عسكري وتقويض النظام. المحاولات باءت بالفشل. رأوا في مناف طلاس، نجل مصطفى طلاس، وزير الدفاع السابق ورفيق الرئيس حافظ الأسد، الاسم الذهبي بالشعر الفوضوي (وليد جنبلاط رأى فيه نسخة عن جون ترافولتا). السيناريو تعثر، كما السيناريوات الكثيرة الأخرى. أما كيف قام الانقلاب في مصر، قال لنا سياسي بارز «كان لا بد من الخوذة لكسر تلك العمامة الصدئة. الجيش الذي فوق الأرض أزاح الجيش الذي تحت الأرض»، أي «الاخوان المسلمين». في تركيا حدث ذلك الشيء الذي يلامس اللامعقول. الجنرالات، ومنذ اللحظة الأتاتوركية، آلهة ببزات فاخرة وبتكشيرة فولاذية. خلايا «الاخوان» أقامت جدراناً بشرية لحماية رجب اردوغان من الدبابات. في لبنان، وحيث «حرب طروادة» بين القادة الموارنة، ناهيك عن الموزاييك الطائفي الذي يحول دون الانقلابات العسكرية، وصل أربعة جنرالات الى رئاسة الجمهورية من أصل 13 رئيساً. السودان الآن. الكنداكات انتصرن على الجنرالات. الكندكة لقب كان يطلق على الملكات المحاربات في السودان القديم. عبد الفتاح البرهان ليس أكثر من تمثال من الفحم الحجري. النجم الحقيقي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع، والذي ينتمي الى قبائل الجنجويد بتراثها الدموي. حميدتي الذي كان الذراع المدمرة لعمر حسن البشير، تصور أن باستطاعة جنوده الانقضاض على الانتفاضة ببعثرة قوى الحرية والتغيير. هؤلاء الجنود هم من نفذوا المجزرة ضد المعتصمين. كاد السودان يدخل في تراجيديا طويلة ومروعة. دول كثيرة تدخلت. رئيس الوزراء الأتيوبي أبيي احمد تصدر المشهد، وتم التوقيع على «الوثيقة الدستورية» في ما يشبه «حفل الزفاف». الحكم الانتقالي يمتد لـ39 شهراً. المدة كافية لتشتيت قوى المعارضة. هكذا يفكر العسكر دون أي اعتبار للديناميكية الشعبية. السودان متعب. الاقتصاد ركام. السياسة ركام. بعصاه، عصا الماريشال، وقّع البشير على انفصال الجنوب الذي هو المنجم الاستراتيجي للشمال. أحد أركان المعارضة وصفه بـ«نبع الحياة». جنرالات كتبت على ظهورهم عبارة «جنرالات للايجار». لماذا ثلاث سنوات أو أكثر؟ يقال، لا بد من اليد الحديدية لاستيعاب الفوضى الأمنية في بعض المناطق، وحيث «ميليشيات منتصف الليل تتقاطع و… ميليشيات منتصف النهار». سباق دولي واقليمي على احتواء السودان، بموقعه الجيوستراتيجي الحساس، مع احتدام صراع المضائق. الأفق ملبد…

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه