تلجأ «إسرائيل» عادة إلى وضع عدد من «القوانين الأساسية» لبعض المواضيع التشريعية التي تعد عادة جزءاً من «الدستور» غير المكتوب والمنصوص عليه عندها لأنها تتجنب وضع دستور دائم شامل مادامت لم تستكمل بعد مشروعها الصهيوني التوسعي.
وفي هذا الإطار، قرر نتنياهو رئيس حكومة الكيان الصهيوني أن يسجل لنفسه الدور الرئيس في سن «قانون» أساسي عن طريق (الكنيست) الإسرائيلي أطلق عليه اسم (قانون القومية – يهودية الدولة) أي إنها بموجب هذا «القانون» لليهود وحدهم لا تقبل بالهجرة إليها إلا لليهود فقط ولا تمنح صفة وحق المواطنة إلا لليهود فقط، وهي بذلك تكون الكيان الوحيد في العالم الذي يفرض مثل هذه التشريعات وينفذها رغماً عن مخالفتها الصريحة لميثاق وشرعة حقوق الإنسان وكأن «إسرائيل» عن طريق هذا «القانون» الأساسي تجسد ما جاء في التلمود الذي يقسم العالم إلى يهود وأغيار (بالعبرية غوييم مفردها غوي أي الفرد غير اليهودي) ويحفل التلمود بفرائض تحظر على اليهودي الاقتراب من معابد الأغيار لأنها حسب هرطقتهم «تحمل دنساً لليهودي يتوجب أن يطهر نفسه منه» وتحدد «قوانين» التلمود عقوبات على الأغيار إذا كانوا يعيشون قرب أحياء اليهود تختلف عن عقوبات اليهودي وهذا «القانون» سيحول الكيان الصهيوني إذا ما جرى تنفيذه على الأرض إلى (غيتو) أي حي لليهود وحدهم، وهي الحالة التي سادت في قرون ماضية حين كان لليهود في عدد من المدن الأوروبية أحياء وحدهم لا ينامون ولا يقيمون إلا فيها.
وكان ما يسمى «المعهد الإسرائيلي لمراقبة الديموقراطية» قد أعد دراسة بشأن هذا «القانون» استنتج منها أنه لا يفرض تمييزاً ضد الفلسطينيين العرب الموجودين في داخل «إسرائيل» فقط بل تعمد فرض تمييز بين يهود «إسرائيل» ويهود الخارج وخصوصاً يهود الولايات المتحدة الذين يزيد عددهم على اليهود الموجودين في الكيان الإسرائيلي (6) ملايين تقريباً.
فالكيان الإسرائيلي حدد طريقة يتعامل بموجبها بشكل غير متساوٍ بين يهود الخارج ويهود الكيان لأنه خضع كما تقول الدراسة للحاخامين التابعين للمذهب الأرثوذكسي الذين لا يعترفون باليهود الذين يعتنقون المذهب اليهودي الإصلاحي والمذهب الليبرالي رغم أنهم يشكلون أكثر من 85% من يهود الولايات المتحدة، كما يرفضون الاعتراف بحاخاماتهم وبشرعية «الكنيس» الذي يصلون فيه بل إن حكومة الكيان الإسرائيلي ترفض بناء كنيس ليهود هذين المذهبين لأن مجلس الحاخامين والأحزاب الدينية اليهودية في الكيان الإسرائيلي يرفض الاعتراف بهذين المذهبين لكن أفدح ما يعنيه هذا «القانون» الأساسي هو «شرعنة» التمييز ضد العرب الفلسطينيين أصحاب الوطن التاريخي في فلسطين المحتلة وحرمانهم من البقاء في وطنهم كمواطنين أو كسكان دائمين، لأن هذا القانون سيشكل مقدمة لترحيلهم بقوة جريمة الأمر الواقع التي تجردهم من الوجود فوقه ماداموا من غير اليهود، وهذه الجريمة العنصرية الأفدح في تاريخ البشرية لم يبلغ درجتها حتى النظام العنصري الوحشي في جنوب إفريقيا فهو لم يفرض ترحيل الأفارقة السود أصحاب الأرض في جنوب إفريقيا إلى خارج وطنهم الذي احتله واستوطن فيه وقرر التعامل معهم كعبيد في البداية ثم كمواطنين من الدرجة الدنيا بالمقارنة مع البيض أصحاب الحكم.
ولعل أدق وصف ينطبق على هذا القانون الجرائمي هو إعادة «شرعنة» الغيتو اليهودي التاريخي في أوروبا وتحويله في فلسطين المحتلة إلى كيان عنصري توسعي مسلح يهدد كل جواره في المنطقة بمعاملة عنصرية عسكرية عدوانية.
لكن السؤال المهم: هو هل ستسمح دول المنطقة تحت أي ظرف كان بترحيل ملايين من الفلسطينيين من داخل ما تبقى من وطنهم إلى خارج الوطن وتسهيل استيعابهم فيه أم إن هذه الدول لن تقبل بوجود هذا الكيان بعد أن بلغت وحشية نظامه حدوداً غير مسبوقة في تاريخ الاستعمار القديم والجديد؟
إن المطلوب هو أولاً ألا تتعامل كل دول المنطقة مع هذا الكيان على غرار مقاطعة دول كثيرة في العالم لدولة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا في الستينيات والسبعينيات ومحاصرته والتصدي لجرائمه الفظيعة ضد الشعب العربي الفلسطيني وتاريخه وحقوقه الشرعية في وطنه ومستقبله.

عن صحيفة تشرين السورية