عبد الباري عطوان : أبرز مُفارقات قمّة تونس المُخجِلة

لماذا اعتذر السيسي عن الحُضور ولماذا تراجع؟ وكيف خرج العاهل السعوديّ الرابِح الأكبر بفوزِه بالدّكتوراة الفخريّة رُغم أنف جامعة الزيتونة؟ وهل كان “حرد” أمير قطر مُدبّرًا أم عفويًّا؟ ولماذا...

لماذا اعتذر السيسي عن الحُضور ولماذا تراجع؟ وكيف خرج العاهل السعوديّ الرابِح الأكبر بفوزِه بالدّكتوراة الفخريّة رُغم أنف جامعة الزيتونة؟ وهل كان “حرد” أمير قطر مُدبّرًا أم عفويًّا؟ ولماذا تراجعت “ظاهرة” الضّرب بالصّحون والتّلاسن العلنيّ بين الزعماء مِثلما كان الحال في قِمَم صدام والقذافي ومبارك؟

باتت القمم العربيّة، وبغض النّظر عن مكان انعِقادها، مُسلسلًا هزليًّا، حافِلًا بالمُفارقات والغرائِب “غير المُضحكة” على الإطلاق، وبات اهتِمام المُواطنين العرب الذين ما زال لديهم الجَلد لمُتابعتها ووقائعها، ليس محصورًا في التعرّف على قراراتها، ولا حتّى خِطابات الزّعماء المُشاركين فيها، وإنّما من “حَرِد” منهم وغادر القاعة مُبكِرًا، ومن صافَح من، ومن تجنّب الحديث مع من، ومن عبَس في وجه من، ومن داعَب مفاتيح هاتِفه أثناء خِطاب من، وهكذا دواليك.

الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس مصر، فاجَأنا مرّتين، الأُولى عندما أعلن قصره أنّه سيغيب عن القمّة في تونس، والمرّة الثانية عندما وصَل فجأةً، ولم يُعلن عن مُشاركته إلا قبل ساعة من وصوله، لماذا اعتذر عن عدم الحُضور، ولماذا غيّر رأيه وشارَك، ما زال لُغْزًا حتى كِتابة هذه السّطور.

الأمير تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر أعلن قبل يومين أنّه سيُشارك في القمّة وسيُلقِي خِطابًا فيها، الحُضور تحقّق بالفِعل رغم وجود العاهل السعوديّ الملك سلمان بن عبد العزيز الذي حصل على الدكتوراة الفخريّة التي يُريدها، ولكن من جامعة “القيروان” وليس من جامعة “الزيتونة”، ولكن الأمير تميم غادر قبل أن يُكمِل السيد أحمد أبو الغيط، أمين عام الجامعة العربيّة كلمته، ومن القاعة إلى المطار مُباشرةً، ومرّةً أُخرى ما زِلنا لا نعرف السّبب، والأطرف من كُل هذا أنّه بعث ببرقيّةٍ إلى الرئيس التونسي أعرب فيها عن خالص شُكره وتقديره لما قوبل به من حفاوةٍ وتكريم خِلال وجوده في تونس، لم نرَ حفاوةً ولا تكريم، لأنّ الوجود في تونس لم يزِد عن 30 دقيقة بالتّمام والكمال، ولم يكُن الرئيس التونسي في استقباله على أرض المطار، وإنّما رئيس وزرائه يوسف الشاهد، ويُقال أنّ الشيخ راشد الغنوشي لحِق به إلى المطار لإقناعه بالعودة وعدم المُغادرة، ولكن سبق السّيف العذل.

***

اللّافت أنّ الزّعماء العرب الذين وصفهم الرئيس السوري بشار الأسد بأشباهِ الرجال في قمّة القاهرة في شهر آب (أغسطس) عام 2006، يُعطون ووزراء خارجيّتهم كُل قمّة ما تُريده من أقوالٍ وشِعارات، ففي قمّة وارسو التطبيعيّة لم ينطق أيّ من المُشاركين فيها بكلمة “فلسطين” أو “القدس″، وركّزوا على أنّ الخطر الإيرانيّ هو الذي يُزعزع أمن واستقرار المِنطقة والعالم، أمّا في قمّة تونس، فقد حرِص الجميع في كلماتِهم، وعلى رأسهم العاهل السعوديّ على التّأكيد أنّ الأمن والاستقرار لا يُمكِن أن يتحقّقا في المِنطقة إلا بتسويةٍ عادلةٍ وقيام دولة فِلسطينيّة تكون “القدس الشرقيّة” عاصمةً لها، ولم ينسَ العاهل السعودي التّأكيد في الوقتِ نفسه على ضرورة مُواجهة النّفوذ الإيرانيّ وسِياساته العُدوانيّة، لماذا هُنا يقولون شيء وفي وارسو يقولون النّقيض، فترامب أعلم.

المُفارقة الأكبر التي تُشكّل قمّة المساخر، أنّ جميع من تحدّثوا من الزعماء في قمّة تونس أكّدوا على إدانتهم اعتراف الولايات المتحدة بضم إسرائيل لهضبة الجولان، وكانوا ينظرون بين الحين والآخر وهم يُدينون، إلى مِقعَد سورية الشّاغر، والعلم الرسميّ المرفوع على طاولته، فهل يُعقَل أن يُناقشوا هذه القضيّة الخطيرة جدًّا دون وجود أصحابها؟ هذا التّناقض لا يُمكِن أن يحدُث إلا في القِمم العربيّة فقط وفي هذا الزّمن العربيّ الرّديء.

الثّابت الوحيد في قمّة تونس هذه هو التّأكيد على التمسّك بمُبادرة السلام العربيّة، ولكن إذا سأل سائِل مِثلنا أحد هؤلاء، أو مُعظمهم، لماذا لم يحترِموا هذه المُبادرة، وكانوا أوّل مُجهضيها، وعكسوها عند التّطبيق، ومارسوا التّطبيع، وفرشوا السجّاد الأحمر لبنيامين نِتنياهو وفرقه الرياضيّة، وعزفوا نشيده الوطنيّ، وأشهروا سيف الاتّهام بالتّطرّف الجاهز لهذا السائِل الذي يَخرُج عن آداب القِمَم، بأسئلته “غير المنطقيّة” هذه.

المُناكفات هي المشهد الرئيسيّ، الذي بات القاسم المُشترك لجميع هذه القِمم، سواء مُناكفة الزّعماء لبعضهم البعض، أو لمن هُم خارج ناديهم، ولا نستبعِد أن تكون هذه “القرقطة” بالمُبادرة العربيّة “المُتعفّنة” للسّلام إلا نكايةً بالسيّد حسن نصرالله، أمين عام “حزب الله” الذي طالب القمّة بسحبِها كحدٍّ أدنى في آخِر خطاباته.

في الماضي كانت القمم العربية حافلة بالمُفارقات والغرائب، ولكنّها مُفارقات تعكِس أدبيّاتها زمانها، وتمسّك أطرافها بمواقِفهم، اختلفنا معها أو اتّفقنا، رغم خُروجها عن النّص، مثل تبادل الضّرب بالصّحون في قمّة القاهرة التي “شرّعت” وجود نصف مليون جندي أمريكي على أرض الجزيرة العربيّة بين الوفدين العراقيّ والمِصريّ في آب (أغسطس) عام 1990، او عندما تلاسن العقيد الراحل معمر القذافي مع العاهل السعوديّ الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اتّهمه بـ”العمالة” في قمّة القاهرة عام 2009.

***

العقيد معمر القذافي دفع حياته ثمنًا لهذه “المُلاسنة” بطريقةٍ أو بأُخرى، وكان أوّل ضحيّة لما تنبّأ بِه، والرئيس صدام حسين دخل التّاريخ العربيّ الحديث كأوّل زعيم عربيّ يُعلّق على مِنصّة المِشنقة، يوم عيد الأضحى، بتواطؤ عربيّ أمريكيّ، والرئيس السوريّ بشار الأسد واجه تحالُفًا من 65 دولة، وصمد في وجه “مؤامرة” استمرّت ثماني سنوات، ومن المُؤكّد أن هذا المُسلسل سيستمر طالما ظل قادة العرب على هذا الحال.

في الماضي كانوا يعقِدون القمم لوضع خُطط المُقاومة لمُواجهة الاحتلال الإسرائيليّ والمشاريع الأمريكيّة الدّاعمة له.. والآن يعقِدونها من أجل مُقاومة المُقاومة، وكُل من يتبنّاها، ودعم مشاريع الإذلال العُدوانيّة الأمريكيّة، وحتّى انعِقاد القمّة المُقبلة دُمتُم بألفِ خير.

رأي اليوم

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه