“صبرا وشاتيلا”.. ناجون من المجزرة يروون تفاصيلَها

مضى على مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها مليشيات لبنانية بتغطية إسرائيلية بحق مدنيين فلسطينيين في بيروت، 36 عاماً، لكنّها تبقى حيّة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني خصوصاً الناجين من المجزرة....

مضى على مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها مليشيات لبنانية بتغطية إسرائيلية بحق مدنيين فلسطينيين في بيروت، 36 عاماً، لكنّها تبقى حيّة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني خصوصاً الناجين من المجزرة.

مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت يوم الخميس، في السادس عشر من سبتمبر/ أيلول 1982 واستمرت حتى الثامن عشر منه، تعتبر إحدى جرائم العصر اللافتة، بعدد شهدائها الذي وصل إلى نحو 3 آلاف، وبأسلوب القتل الذي اعتمده مهاجمو المخيم الواقع بالقرب من العاصمة اللبنانية بيروت، وهم من القوات اليمينية والعميلة لإسرائيل، بدعم لوجستي وعسكري من الإسرائيليين بقيادة آرييل شارون، وكذلك بالضحايا الذين كان معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ بعدما خرج المقاتلون الفلسطينيون قبل ذلك بأيام من المنطقة بموجب اتفاق وقف القصف على بيروت، شريطة حماية المدنيين الفلسطينيين في المخيمات. وهكذا لم يكن في المخيم والأحياء المجاورة له مقاتلون يدافعون عن سكانه.

محمد عفيفي، من الياجور، قضاء حيفا، فلسطين، من مواليد العام 1959 في مخيم شاتيلا، كان شاهداً على المجزرة. يقول: “لماذا كان استهداف مخيم شاتيلا؟ هو المخيم الذي انطلق منه منفذو عملية ميونيخ الثمانية عام 1972، ممن كان هدفهم تعريف العالم بالقضية الفلسطينية، وقضية اللاجئين. كان عددهم حينها ثمانية شبان. كذلك، انطلقت من هذا المخيم كلمة فلسطين، إذ انطلق أبو عمار ( ياسر عرفات ) منه إلى الأمم المتحدة ليثبّت اسم فلسطين فيها، ومن صبرا انطلقت دلال المغربي عام 1978 إلى فلسطين المحتلة لتنفذ عمليتها مع رفاقها. لذلك انصب الحقد الصهيوني على هذين المخيمين”.

يتحدث محمد عن المجزرة: “بدأت عملية الإجرام من محيط جمعية إنعاش المخيم، إلى حي السفارةالكويت ية، حتى حدود مستشفى دار العجزة. كانت القوات المتعددة الجنسية (قوات فصل) عند حدود المخيم، وكان معظمهم من الإيطاليين. كان أولئك العناصر يشترون الأسلحة من المخيم، وهم ساهموا في تلك المجزرة”. يضيف: “الإسرائيليون بدأوا تقدمهم نحو المخيم من منطقة خلدة، وذلك بعد انسحاب الفدائيين من المخيمات، وخروجهم من لبنان، متوجهين نحو تونس، عبر البحر. وبعد مقتل بشير الجميل (رئيس لبنان المنتخب في ظلّ الاحتلال)، تملّكنا الرعب. الإسرائيليون وصلوا إلى المدينة الرياضية في بيروت، وعند تمركزهم في المكان بدأوا في قصف المخيم بطريقة عشوائية، علماً أنه لم تكن لدينا مقومات لمواجهتهم، فصحيح أنّ المقاومة تركت خلفها الأسلحة، لكنّها لم تترك الرجال الذين يجيدون استخدام الأسلحة. ولهذا، اجتمع كبار المخيم (الختايرة) وشكلوا وفداً من ستة رجال، للذهاب إلى الإسرائيليين، ومفاوضتهم حتى يكفوا عن القصف، لكنّهم بعد ذهابهم لم يعودوا، ولم نعرف عنهم شيئاً حتى اليوم، لذلك لم تصلنا معلومات عن التفاوض، وكيف انتهى”.

يتابع محمد: “شعرنا بالضياع، فأخرجت أهلي إلى منطقة اسمها صخور التل على مقربة من المخيم، وبقيت في منزلنا مع ستة شبان لنقاتل بما تبقى معنا من سلاح. اشتد القصف، فخاف الناس في منطقتنا، وعندما تأكدنا أننا لن نستطيع المقاومة طلبنا من الأهالي إخلاء بيوتهم، والهرب. وفي الوقت نفسه كانت تأتينا الأخبار من المناطق التي فيها المذابح، إذ بدأت المذبحة من الشارع العام، وصولاً إلى الأحياء. علمنا بأمر مخزن للأسلحة، فذهبت وشابان إليه، لنحضر السلاح من أجل مقاومة العدو، وجدنا داخله قاذف هاون أحضرناه، لكننا لم نجد من يحسن استخدامه، ونحن لم تكن لنا خبرة في ذلك، فصرنا نضرب به، لكن القذائف كانت تسقط في المخيم، وعندما أدركنا أننا لن نستفيد بأيّ نوع من الأسلحة، أشعلنا النار بالمستودع، وظلت النيران تشتعل فيه طوال الليل، والأسلحة التي فيه تنفجر، وهذا الأمر منع القتلة من الوصول إلى المكان الذي نحن فيه”.

ويكمل محمد سرده: “في هذه الأثناء، هرب الناس، وعند فجر يوم الجمعة خرجنا من المخيم إلى منطقة الجامعة العربية، وبينما كنا خارجين، شاهدنا عناصر للجيش اللبناني، وعناصر لقوات لحد (لواء لبناني عمل تحت إمرة إسرائيل حتى عام 2000)، وعناصر من ميليشيا القوات اللبنانية، وصحافيين، كما شاهدنا جثة لرجل وزوجته الحامل التي بقرت بطنها. كانوا يقتلون كلّ شخص يشاهدونه من دون أن يعرفوا هويته، فتراكمت الجثث فوق بعضها البعض في زواريب المخيم. حتى الكلاب والخيول لم تسلم من أسلحتهم، فانتشرت الروائح بشكل رهيب. خلال المجزرة لم يستخدموا الرصاص فقط، بل أكثر العمليات الإجرامية كانت بالسكاكين والبلطات إذ كانوا يلتذون بقتلنا… أيضاً اغتصبوا فتيات قبل قتلهن، وروى لي أحد أصدقائي بعد عودتنا أنّه شاهد فتاة عُلّقت من شعرها في سقف أحد البيوت، بعد اغتصابها، وأخرى أجلسوها على قارورة زجاجية فارغة”.

كفاح عفيفي، أسيرة فلسطينية محررة، جرى تحريرها من معتقل الخيام، في 22 مايو/ أيار 2000، في أيام الانسحاب الإسرائيلي من لبنان. تقول: “كنت صغيرة، لم أتجاوز الحادية عشرة من عمري حين وقعت المجزرة. وصل الإسرائيليون إلى بيروت بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية، والفصائل الفلسطينية. كنا نسكن في منطقة الحي الغربي لشاتيلا، حيث كانت تقيم أختي في بيت كان مركزاً لقوات الـ17 التابعة لحركة فتح، وبعدما تركه المقاتلون، وغادروا بيروت، مكثنا فيه إلى جانب أختي. وصلتنا أخبار تشير إلى مقتل بشير الجميل، وهذه الأخبار كانت كافية لتسبب ذعراً بين الناس الذين راحوا يتوقعون حصول ردة فعل من المحتمل أن تطال المخيم”.

تضيف كفاح: “لم يطل الوقت، حتى كان الرد جاهزاً. بدأ إطلاق القنابل المضيئة التي حولت ليل المخيم إلى نهار. حينها أخذتنا أمي إلى ملجأ توجه إليه العديد من أهالي المخيم، لكن بعد مضي وقت قصير دخل علينا أخي عثمان، وهو يصرخ: من يستطيع الهرب، فليفعل. كان حينها قد خرج وفد من كبار السن للتفاوض مع الإسرائيليين، ومقاتلي الكتائب، فقتل أعضاء الوفد جميعاً في الغالب. لا يمكن أن أنسى ما حييت مشاهد الذبح. أخذنا نركض، وكذلك فعل آخرون. كنت أحمل بيدي حصيرة (بساطاً من القش) صغيرة. شعرت أمي بأنّ الحصيرة تعيقني، فصرخت بي أن ألقيها جانباً، وكان ذلك على وقع صوت لشاب اسمه منصور، يطلب منا الركض بسرعة”.

وتتابع كفاح: “كانت وجهة الناس المسجد، ولسان حالهم: بيت الله وحده يحمينا. هناك جمعتنا أمي، ومكثنا فيه إلى جانب عدد كبير من أبناء المخيم، لكنّ المهاجمين لم يقيموا اعتباراً للمكان، فاقتحموا المسجد، وكنا قد هربنا منه، وعاودنا الركض مجدداً. كان الناس تحت وطأة الخوف، والرعب، وفي حالة اضطراب، ومنصور يعاود صراخه: اركضوا. ساعدنا في تخطي بعض الجدران. قطعنا مسافة طويلة حتى وصلنا إلى الشارع العام، كنا نمر بين البيوت، إذ كانت الجدران قد صنعت فيها فتحات. في الشارع العام كان المشهد من أفظع ما يمكن تخيله. جثث ملقاة في الشارع، أنين وصراخ، ونحن مع الهائمين على وجوههم، لا نعرف كيف لنا النجاة من سكاكين القتلة. شاهدت أباً يحمي أولاد بجسده من الرصاص، لكنّ الرصاص اخترق جسده وأجساد أولاده، فقُتلوا جميعاً. وشاهدت عدداً من أبناء المخيم تزيوا بزي الأطباء والممرضين للنجاة، لكنّهم مع ذلك قُتلوا. كنا قد احتمينا لبعض الوقت في مستشفى غزة داخل المخيم، وهناك كان الموعد مع المزيد من مشاهد الذبح والقتل، إذ لم يبقَ مكان آمن”. تتابع الأسيرة المحررة: “في تلك المجزرة فقدت عدداً كبيراً من أقاربي. قليلون من نجوا من الموت، لكنّها كانت الصدفة التي أبقتهم أحياء”.

محمد قداح، من مجد الكروم بفلسطين، من مواليد العام 1938، قصته طويلة مع اللجوء، يعمل في كوي الملابس، في محله في مخيم شاتيلا منذ 58 عاماً. يقول عن المجزرة: “دخلت القوات الإسرائيلية ومن معها، بقيادة شارون إلى المخيم، وكنت حينها في منزلي. وصلتنا أخبار بحصول مجزرة، فطلبت من زوجتي وأولادي ترك البيت، والذهاب إلى مكان آمن. كانت القنابل المضيئة تنير المخيم، فدخلت القوات الإسرائيلية، والعميلة، وقتلت الصغير قبل الكبير. ومن هول المصاب خرجت من المخيم، بعد أن هجموا على منطقتنا، وكانت عائلتي تحتمي عند أقارب لنا، يسكنون قرب مستشفى المقاصد، وكنت استخدم عكازين إذ كسرت ركبتي قبل ذلك بفترة. بعد يومين عدت، فكانت الجثث ملقاة في الشارع، وبدا مشهداً رهيباً لمجزرة رهيبة، لم تميز بين لبناني وفلسطيني، أو بين طفل وبالغ، أو بين رجل وامرأة”.

بوابة الهدف

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه