شمال سورية والانتصار المؤكَّد للتحالف السوري ـ الروسي ـ الإيراني..بقلم تحسين الحلبي

في تشرين الأول من عام 2014 نشر معهد «بروكينغز» الأمريكي للدراسات الاستراتيجية ورقة تحليل سياسي بقلم دان أربيل بعنوان «المثلث الأمريكي- الإسرائيلي- التركي».. وهو دبلوماسي إسرائيلي سابق ويعد مستشاراً...

في تشرين الأول من عام 2014 نشر معهد «بروكينغز» الأمريكي للدراسات الاستراتيجية ورقة تحليل سياسي بقلم دان أربيل بعنوان «المثلث الأمريكي- الإسرائيلي- التركي».. وهو دبلوماسي إسرائيلي سابق ويعد مستشاراً في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. في ورقة التحليل هذه عرض أربيل لأهم المصالح المشتركة الدائمة لهذا الثلاثي في الشرق الأوسط وحلل بعض المظاهر التي أثرت في هذه المصالح منذ بدء أحداث الأزمة في سورية وتطوراتها في السنوات الماضية ليستنتج في النهاية بأن ما يجمع هذا الثلاثي من مصالح استراتيجية يزيد عما يمكن أن يُفرقهم، خصوصاً لناحية السياسات التكتيكية التي يتخذها كل منهم تجاه الأزمة في سورية ومستقبل المنطقة. والاحتمال الذي يمكن استخلاصه من ورقة التحليل التي أعدها أربيل في 54 صفحة في ذلك الوقت هو أن اللعب الذي يمارسه أردوغان على حبال مختلفة في الساحة لم يمنع حتى الآن إمكانية ملء الفراغ النسبي الذي خلفه في مثلثه الأمريكي- الإسرائيلي- التركي القديم والتاريخي الذي يجمعه بواشنطن وتل أبيب على حساب المثلث الروسي- الإيراني- التركي، فمن المنطقي التأكيد هنا وليس الافتراض أن كل سياسة عدوانية يتخذها أردوغان ضد سورية تؤدي إلى خدمة واشنطن وتل أبيب معاً وإلى إلحاق الضرر بالتحالف الروسي- الإيراني- السوري، وكل موقف سياسي عام ومشترك يتخذه أردوغان كطرف في المثلث الروسي- الإيراني- التركي ما زال حتى الآن في دائرة الوعود والشكوك، ناهيك بتناقضه مع أعماله الملموسة على الأرض. في النهاية وفي ظل هذه المعادلة ستزداد احتمالات ألا تطول مدة اللعبة الأردوغانية التي ستتحول إن استمرت إلى إشكالية لا يمكن تحملها في أي شكل من الأشكال من الثلاثي الروسي- الإيراني- السوري، مادامت تخدم المثلث الأمريكي- الإسرائيلي- التركي في ساحة الصراع في الشرق الأوسط إلا إذا توقف أردوغان عن انتهاك سيادة سورية، وعن المراهنة على مثلثه الأمريكي- الإسرائيلي- التركي ودعمه له في كل أشكال العدوان على سورية، بل هناك من يعتقد أن ألاعيب أردوغان بلغت حدّاً قد يقود إلى مواجهة متصاعدة بين المثلث الروسي- الإيراني- السوري من جهة، وبين المثلث الأمريكي – الإسرائيلي – التركي من جهة ثانية، لأن لعب أردوغان على المثلثين لم يعد مقبولاً، فقد نالت آخر تصريحاته التي تعهد فيها قبيل زيارته المرتقبة إلى واشنطن بألّا يسحب قواته من الأراضي السورية إلا بعد انسحاب جميع القوات الأخرى الموجودة فيها وتصفية آخر عنصر من الإرهابيين.. نالت تقديراً كبيراً من الكيان الصهيوني الذي يعد هذا الموقف خدمة استراتيجية لأهدافه ضد سورية ولاسيما بعد أن أعلن ترامب زيادة قواته في شمال شرق سورية بحجة (حماية النفط). وبهذا يكون أردوغان وضع نفسه في موقف المتحالف مع بقاء الوجود العسكري الأمريكي في شمال سورية وعزز مصالح المثلث الأمريكي- الإسرائيلي- التركي هناك، وهو يدرك أن وجوده مع طرفي المثلث الروسي- الإيراني على المدى البعيد سيفرض عليه سحب قواته وإنهاء احتلاله لأراض سورية، لأن موسكو وطهران ومعهما المجتمع الدولي يؤكدون دوماً وبشكل عملي ضرورة المحافظة على سيادة سورية ووحدة أراضيها وانسحاب القوات غير الشرعية منها، فالوجود العسكري الروسي شرعي على غرار شرعية التعاون الإيراني- السوري في الحرب على الإرهاب واحترام السيادة السورية، في حين أن الوجود العسكري الأمريكي يعد غزواً واحتلالاً على غرار الوجود العسكري التركي في سورية. وفي ظل هذا الانتهاك الأمريكي- التركي للسيادة السورية يبدو من الواضح أن أردوغان قدم رسائل سياسية للمراهنة على شريكه الأمريكي في انتهاك السيادة السورية، واستند إلى حججه نفسها في عدم الانسحاب إلا بعد تصفية آخر الإرهابيين على حد قول الاثنين برغم أن أردوغان يعد المجموعات التي تدعمها واشنطن إرهابية، وفي المقابل يعد ترامب أن إرهابيي «داعش» ما زالوا «موجودين وفاعلين» ليسوغ الاحتفاظ بقواته في شمال سورية في ظل لعبة مكشوفة يقوم فيها أردوغان بدعم مجموعات «النصرة» و«داعش» ويحافظ على بقائها فيمنح ترامب مسوغاً للبقاء.. ومن الجهة الأخرى، يقوم ترامب بمواصلة دعمه لمجموعات معينة فيمنح في المقابل أردوغان مسوغاً للإعلان عن أنه سيحارب هؤلاء الذين يعدهم إرهابيين، بينما هدف الطرفين ترامب وأردوغان هو استمرار العدوان على سورية وأراضيها وشعبها، ومحاولة تمزيق وحدتها وسلامة أراضيها. لكن هذا المخطط الذي يشارك في تنفيذه أردوغان وترامب بشكل مباشر-وتشارك فيه مجموعات موالية للوجود العسكري الأمريكي على الأراضي السورية، سورية وحلفاؤها قادرون على هزيمة كل أطرافه بعد أن أصبح ميزان القوى العسكري والسياسي الذي يشكله الثلاثي الروسي- الإيراني- السوري في المنطقة أقوى من ميزان قوى الثلاثي الأمريكي- الإسرائيلي- التركي.

عن صحيفة تشرين السورية

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه