حذار يا غزة من الحراك السياسي الدائر الآن

تقديري أن تحليلاتي لم تخذل غزة يوما، وتوقعاتي كانت غالبا في محلها الصحيح. وهذه المرة أرجو أن تسمعوني جيدا. هناك حراك سياسي واسع على مستوى المنطقة الآن، وقد يغتر...

تقديري أن تحليلاتي لم تخذل غزة يوما، وتوقعاتي كانت غالبا في محلها الصحيح. وهذه المرة أرجو أن تسمعوني جيدا. هناك حراك سياسي واسع على مستوى المنطقة الآن، وقد يغتر أحد فيظن أن رحمة المتحركين ستقع على أهل غزة. أصحاب الحراك هم أمريكا والصهاينة ومصر والسلطة الفلسطينية وبعض الدول العربية مثل السعودية والإمارات، وبعض الدول الأوروبية. يخطئ من يتوهم أن هذا الحراك سيخفف الوطأة عن أهل غزة، وسيعمل على رفع الحصار ولو جزئيا عن القطاع. كل الحراك الذي كان يحصل عبر السنوات السابقة، وما زال يحصل حتى الآن هو من أجل أمن الكيان الصهيوني وإركاع غزة، والذي يتطلب أولا القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة عبر ترويض فصائل المقاومة وتطويعها. الأمن الصهيوني هو القضية العالمية الأولى الآن فيما يخص المنطقة، وكما ظهر في لقاء بوتين ترامب الأخير في هلسنكي.

بإمكان من يبكي غزة أن يرفع الحصار عنها، أو يساهم في تخفيف الحصار. بإمكان مصر أن ترفع حصارها عن القطاع فورا، وأن تغض الطرف عن حركة الأنفاق بعد ضمانات أمنية من فصائل المقاومة. وبإمكان السلطة الفلسطينية أن ترفع حصارها الآن. وبإمكان هذين الطرفين المساهمة بنشاطات تخفف الحصار الصهيوني على القطاع مثل إلغاء الرقابة على حركة الأموال والسلاح إلى القطاع.

هناك من يرى ضرورة عودة قطاع غزة إلى سلطة رام الله، وهناك من يطلب رعاية أممية للقطاع. وأنا أحذر من الأمرين لأنهما سيؤديان إلى ذات النتيجة وهي دخول الفصائل الموجودة بقوة في غزة في مساومات سياسية، وتاريخيا نحن نتلقى الهزائم مع كل مساومة. لا يوجد أبدا مساومة سياسية دفعتنا إلى الأمام أو حققنا فيها نجاحا. من السهل جدا أن يتحايلوا علينا ويوقعونا في الأوهام كما حصل في أوسلو. الأمم المتحدة ليست أمينة ولا صادقة وهي جزء من التآمر على الشعب الفلسطيني.

نحن ندخل حراكا سياسيا إذا كنا نحن الذين نصنع البيئة التي يدور فيها، والبيئة المتوفرة حاليا هي بيئة مصرية سعودية أمريكية صهيونية. المقاومة في غزة تفرض نفسها، وهم يحاولون استباق الأمور قبل أن تتمكن المقاومة من صناعة بيئة تفرض نفسها عليهم. ولهذا يبقى المطلوب التركيز على مراكمة القوة إلى الدرجة التي لن تتمكن معها إسرائيل من فرض معادلات، أو خلق وقائع.

هم (المشككون) يحاولون القول إن حماس تتآمر من أجل إقامة دولة فلسطينية في غزة. هذا لن يحصل، ولا يمكن أن يسمح الصهاينة والأمريكيون بإقامة دولة فلسطينية بمقاييس فلسطينية. الدولة الحقيقية لها مقومات، وهي مقومات تهدد الكيان الصهيوني وفق فهمهم. لقد سبق أن أقمنا حكومة عموم فلسطين في تشرين/1948، ودمرها العرب، ومن الممكن أن نقيم الآن دولة عموم فلسطين لتكون رأس جسر نحو تحرير كامل التراب الفلسطيني. لكن الوقت ما زال مبكرا على هذه الخطوة، والمفروض السعي إلى اختصار الزمن. المهم أن تبقى المقاومة خارج الحراك السياسي القائم ولكن برقابة مشددة، والمفروض تقليص الزيارات لمصر، وعدم الانجرار العاطفي نحو وعود براقة، ونحو تفاهمات مبهمة وغير مكتوبة.  الصهاينة يخشون الحرب على غزة الآن، وهم يخشون من تطور المقاومة لتصبح قادرة على خوض حرب متحركة. وفي موقف غزة ما يحيل كل مشاريع التسوية هباء لا قيمة لها وعلى رأسها صفقة ترامب. وإذا شعرت غزة أن المتحركون سيحققون نجاحا على حساب المقاومة، فإن المقاومة قادرة على قلب الطاولة وتطوير بيئة جديدة لا تسمح لهم بحرية الحركة السياسية كما يشتهون.

لا يملك أحد من المشاركين في الحراك السياسي رؤية حول غزة، وجميعهم في حيرة من أمرهم. والرجاء من حماس ألا تحرك ساكنا من شأنه أن يخرجهم من حيرتهم أو يبعث فيهم الأمل في مخرج سياسي. وإذا كان هناك بارقة تحولات إنسانية فيما يخص غزة، فيجب ألا يرتبط ذلك بتحولات سياسية في القطاع أو أمنية. وإذا كان لا مفر من تفاهمات أو اتفاقيات، فالشرط يجب أن يكون أننا لن نفكر بالالتزام قبل أن ينفذ الآخرون فعلا ما يتوجب عليهم. يجب ألا تتكرر تجربة صفقة شاليط. المقاومة في غزة هي سيدة الموقف، وعليها ألا تسمح لأحد بالمساس بهذا الوضع.

عبد الستار قاسم

رأي اليوم

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه