حديث السيّد نصر الله يُهيمِن على الأجندة الإعلاميّة الإسرائيليّة برغم الرقابة المُشدّدّة ومنسوب القلق ارتفع جدًا بعد المُقابلة وصورة الأمين العّام مع “بنك الأهداف” باتت الأكثر انتشارًا

لأوّل مرّةٍ في تاريخ كيان الاحتلال، يقوم الإعلام الإسرائيليّ على مُختلف مشاربه، المرئيّ، المسموع والمقروء، بمُتابعة ومُواكبة خطاب زعيمٍ عربيٍّ، كما فعل نهاية الأسبوع الماضي، بعد المُقابلة الخاصّة التي...

لأوّل مرّةٍ في تاريخ كيان الاحتلال، يقوم الإعلام الإسرائيليّ على مُختلف مشاربه، المرئيّ، المسموع والمقروء، بمُتابعة ومُواكبة خطاب زعيمٍ عربيٍّ، كما فعل نهاية الأسبوع الماضي، بعد المُقابلة الخاصّة التي أدلى بها السيّد حسن نصر الله، لفضائيّة (المنار) التابعة للحزب. التقارير الإعلاميّة الإسرائيليّة اقتصرت على نقل “أهّم” (!) ما جاء في كلام سيّد المُقاومة، ولوحِظ أنّ المُراسلين والمُحلِّلين والخبراء تلّقوا تعليماتٍ من “الأخ الأكبر”، أيْ الأجهزة الأمنيّة في كيان الاحتلال والرقابة العسكريّة التابِعة لها، بعدم الانجرار وراء “استفزازات” السيّد نصر الله، والاكتفاء بنقل أقواله، دون التعليق عليها أوْ تحليلها، لأنّه، كما يبدو، توصلّت هذه الأجهزة إلى قناعةٍ تامّةٍ بأنّ التحليلات ترفَع من منسوب الخوف والتوجّس لدى المُواطنين في الكيان من تصريحات السيّد نصر الله، علمًا أنّ السواد الأعظم منهم، أيْ حوالي 80 بالمائة من سُكّان الكيان، يثِقون بكلّ كلمةٍ تصدر منه وعنه، فيما لا يُعيرون اهتمامًا بأقوال صُنّاع القرار في تل أبيب من المُستويين السياسيّ والأمنيّ. ومن الأهميّة بمكانٍ في هذه العُجالة الإشارة إلى أنّ أركان الدولة العبريّة، من رئيس الوزراء ووزير الأمن، بنيامين نتنياهو، مرورًا بوزراء حكومته وحتى نوّاب الكنيست الإسرائيليّ حافظوا على الصمت المطبق، فيما تجاهلت القيادة العسكريّة والأمنيّة الحديث علنًا عن الخطاب ومفاعيله وارتداداته، وذلك في مُحاولةٍ فاضحةٍ وواضحةٍ لعدم الانجرار وراء “استفزازات” وتهديدات السيّد نصر الله، والوقوع في الفخّ الذي نصبه لكيان الاحتلال في إطار الحرب النفسيّة الشرسة التي تدور رجاها بين الطرفين، رغم أنّ الحديث يجري عن دولةٍ تعتبر نفسها دولةً عُظمى من الناحية العسكريّة والأمنيّة والتكنولوجيّة وبين تنظيمٍ “إرهابيٍّ”، يبات لاعبًا إقليميًا، كما أكّدت أخيرًا مصادر أمنيّة وسياسية رفيعة في كيان الاحتلال الإسرائيليّ. وعلى الرغم من الرقابة الذاتيّة والعسكريّة، فيُمكِن القول والفصل إنّ الاهتمام الإعلاميّ العبريّ بحديث السيّد نصر الله، يعكِس حالةً من القلق الشديد في الدولة العبريّة من الـ”تنظيم الإرهابيّ”، الذي تحوّل، كما أكّدت المصادر الإسرائيليّة الرفيعة، إلى ثاني أقوى جيشٍ في الشرق الأوسط بعد الجيش الإسرائيليّ، طبعًا. ومن مُواكبة التغطية الإعلاميّة الإسرائيليّة للحديث يتبيّن أنّ أكثر ما يقُضّ مضاجع الإسرائيليين، قيادةً وشعبًا، هي الجرأة والثقة بالنفس اللتان أبرزهما السيّد نصر الله في حديثه المُطوَّل لفضائيّة (المنار)، وتركيزه على “بنك الأهداف” الذي تستعّد المُقاومة الإسلاميّة اللبنانيّة ضربه في الحرب القادِمة والشامِلة مع إسرائيل، وفي هذا السياق شدّدّت مُحلّلة شؤون الشرق الأوسط في صحيفة (يديعوت أحرونوت)، سمدار بيري، في عدد الصحيفة الصادر اليوم الأحد، على أنّ نصر الله تبنّى سياسة نتنياهو في عرض خريطة إسرائيل وبنك الأهداف، لافتةً في الوقت عينه إلى أنّ نصر الله قال عمليًا لإسرائيل إنّ تنظيمه “الإرهابيّ” قادرٌ على إصابة أيّ هدفٍ حيويٍّ في الكيان، بما في ذلك مفاعل ديمونا النوويّ، وأنّ صواريخه تصل إلى إيلات (أم الرشراش). من ناحيته، قال عيران زينغر، المسؤول عن الملّف العربيّ في هيئة البثّ الإسرائيليّة شبه الرسميّة (كان)، قال إنّ توقيت الحديث التلفزيونيّ للسيّد نصر الله لم يكُن من باب الصدفة، بل تمّ اختياره بعنايةٍ شديدةٍ، حيث أراد نصر الله، برأي المُحلِّل زينغر، استغلال الذكرى الـ13 لحرب لبنان الثانية، صيف العام 2006، بهدف توجيه رسائل التهديد لإسرائيل وللدول العربيّة الخليجيّة بأنّها ستتلقّى الضربات القاسية والمؤلمة إذا تجرّأت وانضمّت للحرب التي قد تشُنّها الولايات المُتحدّة الأمريكيّة ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، على خلفية التوتّر الحاصِل بين واشنطن وطهران في الخليج العربيّ، على حدّ قول المُحلِّل الإسرائيليّ زينغر. على صلةٍ بما سلف، شدّدّت صحيفة (يديعوت أحرونوت) في سياق تقريرها عن الحديث التلفزيونيّ للسيّد نصر الله، شدّدّت على أنّ رؤساء السلطات المحليّة في شمال كيان الاحتلال وجّهوا رسالةً رسميّةً لرئيس الوزراء نتنياهو، طالبوا فيها بعدم ترك الشمال، بعد أنْ ركّز نصر الله في حديثه عن المركز والجنوب كأهدافٍ للحزب في المُواجهة القادِمة، وقال رؤساء السلطات المحليّة في رسالتهم إنّه يوجد بونًا حرِجًا وشاسِعًا في الجاهزيّة للحرب المُقبِلة ضدّ حزب الله، وشدّدّوا على أنّ الحكومة الإسرائيليّة اتخذّت السنة الماضية قرارًا بتخصيص خمسة مليارات شيكل لحماية مُستوطنات شمال الكيان، إلّا أنّ الخطّة لم تخرج إلى حيّز التنفيذ، على حدّ قولهم. وفي المُحصلة العامّة يُمكِن القول إنّ حديث السيّد نصر اله هيمن على الأجدنة السياسيّة والأمنيّة والإعلاميّة في إسرائيل، وباتت صورة نصر الله وهو يحمل خريطة الكيان ويُحدِّد بنك الأهداف، الصورة الأكثر انتشارًا في وسائل الإعلام العبريّة وفي وسائط التواصل الاجتماعيّ في كيان الاحتلال، وهذا بحدّ ذاته يؤكِّد مرّةً أخرى مدى توجّس الإسرائيليين من حزب الله.

رأي اليوم

لا تعليق

اترك رد

*

*