بايدن في البيت الأبيض.. ماذا بعد؟

أسدل الستار عن مشهد التنافس حول الأصوات ولعبة الاحتساب وهو مشهد في حدّ ذاته مفيد لتغذية الأمل في السياسة الأمريكية، غير أنّ مخرجات التباري على كرسي البيت الأبيض تضعنا...

أسدل الستار عن مشهد التنافس حول الأصوات ولعبة الاحتساب وهو مشهد في حدّ ذاته مفيد لتغذية الأمل في السياسة الأمريكية، غير أنّ مخرجات التباري على كرسي البيت الأبيض تضعنا أمام قصة العَود الأبدي في السياسة الأمريكية، تصعيد وتخفيض.. تمظهر الإرغام وتمظهر “القوة الناعمة” بالتناوب.. نمط من السياسة يحق لنا أن نطلق عليه تسمية: سياسة الترميش، أي نظرة ثم إغماضة لإراحة العين.
طوت الولايات المتحدة صفحة مليئة بالقفشات السياسية بل مرحلة من اللاّسياسة، لأنّها كانت شريطاً غبيّاً من الإقرارات والخشونة لأنّ الفريق الدبلوماسي نفسه لترامب كان يشارك في التلويح بالعقوبات والتّدخّل على الرغم من أنّ قرار التدخل لم يكن ممكناً.. لنقل إنه عهد نهاية السياسة والدبلوماسية والعلاقات الدولية.
سعى ترامب وفريقه لكي يحوّلوا كل شيء -بما في ذلك التلويح بالقوة- إلى قيمة مالية.. حتى بات ترامب يشكل حرجاً للجمهوريين أنفسهم.. كان يتحرك بالوزن الميت، حيث تجاوز كل الاعتبارات المألوفة في القانون الدّولي وساهم في عزل أمريكا أكثر حتى من حلفائها الأوربيين الذين حوّلهم ترامب إلى جزء متقدم في خريطة الأطراف.
قدّم ترامب الكثير من الأوراق لمنافسه الذي عرف كيف يدير عملية التنافس.. لقد اعتمد شعار وحدة الأمريكيين والديمقراطية ونبذ العنصرية وإيجاد مبادرة جديدة لتطويق جائحة «كوفيد19» إنه نزاع بين الرغبة في القيم المألوفة للحداثة والقيم “الما- بعد حداثية” التي تجلّت في سوريالية انتخابوية وجب قراءتها كعلامة في ضوء البراغماتية الجديدة.
لعبت اللغة السياسة دورها في فعل الكلام والخطاب البراغماتي لبايدن، هنا لا توجد حقيقة تمثيلية بقدر ما توجد حقيقة قابلة لتخفيض الكارثة وهو مستوى من المنفعة الذي يمنح الحقيقة في دلالتها الأمريكية معنى. ليست الحقيقة في فعل الكلام الأمريكي ذات خاصية تمثيلية (للواقع الخارجي) وعليك أن تجري الحكم نفسه على الحقيقة الانتخابية فهي ليست تمثيلية إلاّ بقدر ما تتيحه اللحظة الانتخابية الإقناعية العابرة.
سيهتم بايدن بسؤال: “لماذا يكرهوننا؟” الذي طرحه بوش الابن وحاول أوباما الإجابة عليه عبر تفعيل أطروحة مستشاره جوزيف نايت، والآن بايدن سيجيب على السؤال نفسه بعد أن أفسد ترامب العلاقة الأمريكية- الدولية التي حوّلها إلى مقاولة مفتوحة غير معنية بالمدى البعيد. لا شكّ أن ترامب يمثل رؤية ومصلحة شريحة كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها شريحة اصطدمت بمنطق الانتخابات التي تخضع لحسابات أخرى.
في الداخل الأمريكي كان بايدن قد عرف كيف يجني الكثير من منافع التصويت العقابي، هناك تخوف عميق للأمريكي من أصول أوروبية لاسيما الأنغلوساكسون، وبالمقابل هناك تخوف للأمريكيين من أصول أوروبية جنوبية وأمريكو-لاتين، وآسيويين وأفارقة تحديداً.
دخل ترامب في تنفيذ تلك السياسة التي خلقت فجوة بين مكونات المجتمع الأمريكي مفرط الحساسية العنصرية وهو ما تفجر بشكل أكبر في الأحداث الأخيرة.
التلويح بالحرب والتحالف مع الاستبداد الخارجي وإدارة العلاقات الدولية بالأساليب التي تعزز موت الدبلوماسية وتربك النظام الدولي ناهيك عن اهتزاز الوضع الداخلي وإثارة الحساسيات، كل هذا أضعف حظوظ ترامب وسهّل على بايدن والحزب الديمقراطي المرور السّلس إلى البيت الأبيض. فهل يا ترى، سيغير بايدن مخرجات عهد ترامب اللاّسياسية أم إنه سيبني عليها بأساليب مختلفة؟
كان بايدن من فريق أوباما، وعاصر كل السياسيات التي أفرزها تفكك الاتحاد السوفييتي، وكانت له مواقف غير حاسمة بين تأييد بعض من تلك السياسات وبين مواقف تبدو أقل صداماً.
لقد حاول ترامب طيلة عهده أن يظهر نوعاً من الحزم في تنفيذ القرارات المدرجة في المكتب البيضاوي، وهو لهذا كان يتهم أوباما بعدم الحزم والقدرة على اتخاذ القرار.

لا شك أن بايدن في مفرق من السياسة الدولية تنتظره الكثير من الملفات، أولها كيفية العودة إلى العمل الدولي من منظور الدبلوماسية الحيّة وإعادة التوازن للسياسة الخارجية. هل يا ترى -وهل من صلاحيته- إعادة التعاقد مجدداً مع مؤسسات دولية آخرها منظمة الصحة العالمية؟ ماذا عن سياسته في الشرق الأوسط والشرق الأقصى: العلاقة مع الصين، مع روسيا، مع إيران والاتفاق النووي والشرخ بين الموقف الأوروبي والموقف الأمريكي، مع دول الخليج، الملف الفلسطيني، الحرب على اليمن؟

هناك «أمل» مُعلق على بايدن من أطراف إقليمية ودولية كثيرة، لكن ما يتجاهله الجميع هو ما هي حدود القدرة والصلاحية لتغيير الموقف؟ سنشهد ابتسامات دبلوماسية عريضة «عودة الروح الأمريكية» كما يقول بايدن وكأن ترامب لم يتصرف بالروح الأمريكية أيضاً، ولكن الحاجة هناك إلى تصريف التحكم بأسلوب “القوة الناعمة”، أي إرغام الآخر بأساليب ناعمة “ليُظهر توحّشه” أثناء الدفاع عن نفسه.
كل هذه الملفات المعقدة والمتراكمة ستكون أمام بايدن فور انطلاق عمله داخل البيت الأبيض. ولا شك من وجود تحول في النموذج الأداتي للسياسة الأمريكية وإن لم يلامس العمق فهو سيلامس الوسائل لتنفيذ الكثير من السياسات نفسها بطريقة أخرى. الحرب بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ليست علامة سيمانطيقية لحزب دون آخر، بل هي لحظة تدبير أزمة، واليوم يدرك الحزبان معاً أنّ سياسة التدخل لم تعد ممكنة أو عمليّة وهناك مساحة لتنويع الأداء السياسي للتعبير عن هذا الموقف.. فما المنتظر من إدارة بايدن؟
في المرحلة الأولى سيكون حذراً، وحتما سيحاول في حدود الصلاحيات المخولة له أن يكنس بعض المواقف والقرارات السابقة لسلفه وسيبدأ بقضايا اجتماعية كرفع الحظر على السفر لبعض البلدان الإسلامية، سيتغير الخطاب، تقارب أكبر من الأمريكيين السود، انفتاح أكبر على الطبقة الوسطى وتعميم السياسة الاجتماعية على المواطنين والمقيمين دون تمييز، كما يمكن في الخارج استئناف علاقات أقلّ استفزازاً وحدّة، تغيير دبلوماسية الإرغام.. نتوقع الكثير من هذا لكن ثمة ما هو أبعد مدى من وجهة نظر بايدن، أعني الاختيارات العميقة للولايات المتحدة الأمريكية وكيف يمكن تصريفها من خلال بايدن، فالرئيس الجديد أيّاً كان شكل المشهدية الانتخابية هو متوقع ومختار بعناية فائقة من “الدولة العميقة” لتنفيذ سياسات مرحلة من الاختيارات الجديدة، سياسة الترميش والعود الأبدي، شيء من الإرخاء وشيء من الشدّ، لقد ساهم العالم أيضاً بإسقاط ترامب لأنّه لوّح بما فيه الكفاية بقوّة في زمن تصاعد الأقطاب الجديدة وتبلور مقدمات نظام عالمي جديد.
كاتب من المغرب

عن صحيفة تشرين السورية

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه