أ م عمر ..

استشهد عمر أبو ليلى …وأنا لا أريد الكتابة لعمر , لأنه سر من أسرار الفلسطيني …لكني أريد الكتابة إلى أمه , إلى أم عمر أبو ليلى …أريد أن أسألها...

                                            

استشهد عمر أبو ليلى …وأنا لا أريد الكتابة لعمر , لأنه سر من أسرار الفلسطيني …لكني أريد الكتابة إلى أمه , إلى أم عمر أبو ليلى …أريد أن أسألها : هل ولد مثل كل الأطفال ؟ أم أنه نزل من رحمك ومعه سكين ..أريد أن أسألها ماذا أرضعته ؟ لا أظن أنه شرب حليبا عاديا , يبدو أن الثدي الفلسطيني يمزج الحليب مع البارود والفداء ..أنا أشك بأن هذا الشهيد رضع حليبا ! رضع شيئا مختلفا جعل منه أسدا …وليس شخصا عاديا .
أريد أن أسألها عن طفولته ..هل كان يملك (لهاية) مثل كل الأطفال ؟ هل كان يبكي ؟..وكان يمرض ويصاب بالإنتفاخ مثل كل الأطفال أيضا ؟ أنا لا أظن ذلك قولي لي الحقيقة يا أم عمر …هذا طفل هزم إسرائيل منفردا , خاض معركة مع جيش كامل وقام بهزيمته , عمر بحد ذاته كان جيشا …وأظنه لم يكن طفلا عاديا أبدا …
أخبريني يا أم عمر , عنه حين كان عمره (3) أشهر , هل كان يصحو في الليل …؟ هل كان له سرير مثل كل الأطفال ..أم أنه حول السرير لثكنة , وكان يخطط فيها لعمليته …أخبريني حين كنت تضمينه إلى صدرك , كيف كانت عيونه …وكم من شرر ونار لمحت فيها ,قولي لي هل كان يخاف من الظلمة ؟…لا أظن ذلك ! هل كانت لديه (خشخيشة) مثل كل الأطفال أم أن صوت الرصاص هو لعبته …
حسنا يا أم عمر ..أنت أعلى النخلات في العراق , وأنت التاريخ كله.. كاذب من يقول أن التاريخ يكتب بالحبر , أم عمر غيرت كل نظريات التاريخ الحديث فالفلسطينية أكدت أن التاريخ يكتب بحليب النساء في (سلفيت) ,وأنت النيل حين يمشي متدفقا هادرا ويروي العطشى في مصر ..وأنت أمل الفقراء , وملهمة الشعراء في الحي المحمدي بالمغرب , وأنت (بردى) حين يجري من الغوطة ..ويمسح عن سوريا الدم والخراب ويعيد لدمشق بسمتها …أنت أصلا أهم من كل مدارس الحرب والأركان العربية وأهم من كل مصانع الذخيرة والدبابات المكدسة , لأن رحمك أنتج من طفل جيشا كاملا هزم اسرائيل ونحن اختصرنا كل جيوشنا بفرد واحد …
ماذا أقول لك ؟ ..فقط علمي النساء في عالمنا العربي , علمي المتصابيات ..واللواتي جلسن في الفنادق الفاخرة , خلف المايكريفونات من أجل الثرثرة , علمي من أدخلوهن في الحكومات …على شكل إكسسوار ,علمي من أشبعن جيلا من النكبات غنجا على مايكريفونات الإذاعات (التافهة) ..علمي النساء يا أم عمر في العالم العربي , أن الأرحام في فلسطين ..أخطر من منظومات (الباتريوت) …وأن الأرحام في فلسطين أقوى من طائرات (الإف 35) وأن أم عمر دمرت نظرية اللواء (الجولاني) ونظريات شامير وشارون وقبله مناحيم بيغن , في حصانة جيش الدفاع وحولته إللى جيش من الأشلاء …
الأم في فلسطين يبدو أنها مختلفة , من أي طينة جبلت أناملك يا أم عمر؟ …وعلى أي سراج مشطت شعرك , تعالي يا طاهرة يا عفيفة يا أم الحب وأم الزيتون وأم الصبر …تعالي إلى عالمنا العربي قليلا , طوفي في الأحياء ..ودعي الفتية الصغار يقبلون يدك ويتبركون بابتسامتك , تعالي إلينا قليلا …واخبري الناس أن الأمومة في فلسطين , ليست حليبا وحضنا , بل الأمومة أيضا بندقية وصبرا ..ودما يحضر لكي يسيل نديا على تراب كان الأجل والأعلى والأطهر .
حسنا بعد أشهر , ستعودين لمنزل في سلفيت غير المنزل المدمر , ستعودين أما بكل ما تستلزمه مقتضيات الأمومة من دمع وصبر ورضى وفخر بما أنجبت ..وربما ستجلسين على طاولة صغيرة في المطبخ , من أجل فرم (الخبيزة) ومزجها مع زيت الزيتون …أتدرين يا أم عمر ؟ جلوسك على الطاولة وحيدة ..وذرف دمعة فخر ..أهم من اجتماعات الجامعات العربية كلها وأهم من مؤتمرات القمة كلها ..لأنك في هذه اللحظة , ستكتشفين أنك لم تلدي بيانا للشتم والإستنكار , بل ولدت طفلا كان معجزة ونظرية عسكرية عالمية , وشهيدا ليس كأي شهيد …والله لو أننا تتبعنا خطاك في المنزل , وقبلنا كل شبر داست عليه قدمك سنبقى أقل بكثير …من جبروتك وصبرك والوفاء الأصيل لفلسطين …
أنا لا أعرف يا سيدتي هل أناديك أم عمر , أنت أمة كاملة وليس أما …حتى أحرف النداء تنهار أمام جبروتك أيتها العظيمة فلك السلام ..كل السلام .

عبدالهادي راجي المجالي

نقلا عن الرأي – الاردنية

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه