أكاذيب في السياسة الصهيونية: من هو رابين حقا في ذكرى اغتياله؟

تحل في الرابع من تشرين ثاني/نوفمبر الذكرى 23 لمقتل إسحاق رابين رئيس حكومة الاحتلال وزعيم حزب العمل برصاص يميني إسرائيلي متطرف، وبعد هذا الزمن كله ما يزال ثلاثة أطراف...

تحل في الرابع من تشرين ثاني/نوفمبر الذكرى 23 لمقتل إسحاق رابين رئيس حكومة الاحتلال وزعيم حزب العمل برصاص يميني إسرائيلي متطرف، وبعد هذا الزمن كله ما يزال ثلاثة أطراف يتقاتلون على تقديم الصورة الحقيقية لـ: من هو رابين حقا؟ هذه الأطراف الثلاثة هي اليسار الصهيوني واليمين الصهيوني والفريق الفلسطيني الأوسلوي.

يحاول اليسار الصهيوني أن يروج أسطورة أن رابين كان رجل سلام، وأنه ما كان يمكن أن يوافق على سياسات الليكود الحالية وبنيامين نتنياهو، وتحديدا تدمير حل الدولتين باعتباره إرث رابين. واليسار الصهيوني في مسعاه يريد جذب الجمهور الصهيوني العلماني إلى برنامجه السياسي وخداع الفلسطينيين أيضا حول نواياه الحقيقية.

من جهته اليمين الصهيوني الذي طالما قاتل من أجل تدمير إرث رابين “السلامي” يروج أيضا أن ما يزعمه اليسار ليس سوى أكاذيب، فرابين ما كان يمكن أن يوافق على دولة فلسطينية، وأنه في أقوال أخرى تم خداعه من قبل بيريز، ولذلك فالوفاء لرابين يقتضي التخلص من أسطورة الدولة الفلسطينية، رغم أنه حتى الفتات الذي قدمه رابين للفلسطينيين أدى إلى وصفه بـ”الخائن”.

فلسطينيو أوسلو، في تمسكهم بحبال العنكبوت الهشة، يقاتلون من أجل استرجاع إرث رابين “الصديق العزيز” تبعا ل ياسر عرفات ، و “الشريك في سلام الشجعان” أيضا، ولعل هذا يفسر ما نقله ناصر القدوة عن أنه وجد ياسر عرفات في حالة غضب وصدمة بعد أن سمع خبر اغتيال رابين.

كان عرفات يدرك أنه لايمكن أن يحصل على أي شيء من المؤسسة الإسرائيلية، وكان ذوت نفسه هو وفريقه على خدعة رابين وبيرس، وأقنعوا أنفسهم بأن رابين يقول ما يقوله عن استحالة الدولة الفلسطينية كمناورة داخلية لخداع اليمين والمستوطنين، وهكذا قاد هذا الوهم عرفات للاقتناع أن المؤسسة الصهيونية المعترضة على أوسلو ستتراجع وسيستخلصون منه الفتات الذي سبق وقدموه له، ما يحيل إلى واقع أنه ليس من الواضح فعلا إذا كان هؤلاء قد قرؤوا نصوص الاتفاقية المشينة أو اطلعوا على تحفظات رابين، والمهم أنهم يسوقون أيضا كذبتهم الخاصة حول الرجل.

ولكن من هو رابين حقا؟

اعتمادا على إرثه العسكري الذي كانت تتمحور حوله كل كفاءته، كان رابين ينظر نظرة أمنية محضة إلى القضية الفلسطينية وإلى المفاوضات على حد سواء.

وكانت استراتيجيته تتمحور حول أمور ثلاثة: تخفيف عدد القتلى الصهاينة على يد المقاومة الفلسطينية، وإخضاع الفلسطينيين وقبولهم بالأمر الواقع للاحتلال واستحالة أن يحصلوا على أكثر مما سيقدمه لهم، والأمر الثالث تلميع صورة دولته وتذويت عقل الرأي العام الدولي مع فكرة الاحتلال ليس فقط اللطيف، بل المقبول والمفيد أيضا.

تكفي مراجعة تاريخية بسيطة لإظهار موقف رابين الحقيقي، المؤيد لدوام السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية بحكم ذاتي شديد المحدودية، كما عكسه اتفاق أوسلو الذي لم يكن كافيا أيضا.

الدولة الفلسطينية: سرطان!

في عام 1975 ، في مقابلة مع نيوزويك ، قال رابين: “إسرائيل بلد حر ويمكن لأي شخص التعبير عن رأيه ، وما زلت لا أتفق مع أولئك الذين يريدون التفاوض مع الفلسطينيين حول دولة بيننا وبين الأردن. إن مثل هذه الحالة ستكون بمثابة سرطان في قلب الشرق الأوسط ، “ستكون دولة ضعيفة مع متطرفين كان حلمهم الوحيد هو تدمير دولة إسرائيل”.

في عام 1985 ، في لقاء مع سكان نيتسر حزاني في غوش قطيف ، كتب رابين في سجل الزوار: “بعد أكثر من تسع سنوات من وضع حجر الأساس ، أثبتت نجاحك – الذي هو نجاح كل الشعب اليهودي. وفي مناسبة أخرى خلال مناظرة تلفزيونية عام 1992 مع إسحق شامير، أعلن رابين أنه يعارض بشدة إقامة دولة فلسطينية.

في تلك المناظرة التي أدارها نسيم مشعل في إطار الحملات الانتخابية طلب رابين من شامير أن يسأله أي سؤال يريد، وسأل شامير رابين: “هل تريد حقا دولة فلسطينية داخل أرض إسرائيل ، مع من تريد معهم تسوية إقليمية اليوم؟ أجاب رابين بشكل قاطع: “أعارض قيام دولة فلسطينية بيننا وبين الأردن ، ولا أريد مليونًا وسبعمائة ألف فلسطيني سيكونون مواطنين في إسرائيل”. بعد ذلك مباشرة ، ذكر رابين أنه صوت لصالح خطة الحكم الذاتي التي اقترحها مناحيم بيغن رئيس الوزراء عام 1978.

وفي برنامج تلفزيوني قال الوزير السابق يوسي بيلين أن رابين كان يراوغ، وأنه أفشل اتفاقيات أوسلو وأضاف بيلين في برنامج بثته قناة “دوكو ييس” الوثائقية منذ أسبوعين، بعنوان “يوميات أوسلو”، بأنه قبل وقوع مجزرة الحرم الإبراهيمي، التي نفذها المستوطن السفاح باروخ غولدشتاين، في شباط/فبراير عام 1994، وعندما كان يشغل بيلين منصب نائب وزير الخارجية، طالب رابين بالتوجه فورا إلى اتفاق دائم بين إسرائيل والفلسطينيين و”إنهاء الأمر”، لأنه تخوف مما يمكن أن يحدث خلال السنوات الخمس التي ستعقب اتفاقيات أوسلو، وهي الفترة المرحلية التي ينبغي بعدها الانتقال إلى اتفاق دائم، لكن رابين عارض ذلك، معتبرا أن فشل محاولة التوصل إلى اتفاق دائم سيكشف وجهة إسرائيل في المفاوضات بينها وبين الفلسطينيين، وعندها سيكون من الصعب العودة إلى التسوية المرحلية. ومن المعروف أن رابين رفض في اللحظة الأخيرة إخلاء المستوطنين من مدينة الخليل بعد موجة التوتر إثر المجزرة، ولكن رابين اختار المستوطنين بدلا من السلام.

كانت وجهة نظر رابين تتمحور على أن الحكم الذاتي هو الحل الدائم للقضية الفلسطينية، ويعتبر هذا موقفا متطورا عن موقفه السابق باعتبار ملحق الحكم الذاتي في اتفاقية كامب ديفيد مع مصر وسيلة لتهدئة الجبهة الفلسطينية ودفعها نحو المسار الذي تريده إسرائيل.

وكان يرى أن هناك ثلاث اتجاهات لحل القضية الفلسطينية الاتجاه الأول هو ما يريده “المتطرفون الفلسطينيون” بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، والثاني هو ما دعت إليه حكومة بيغن عبر حكم إداري ذاتي محدود مع السماح للسكان بالاختيار بين الجنسية الإسرائيلية أو الاحتفاظ بالجنسية الأردنية (كما في حينه) حسب خطة بيغن ومنهجه، حيث تكون الضفة وغزة جزءا لايتجزأ من السيادة الإسرائيلية، أما الخيار الثالث الذي كان رابين يفضله ويؤيده بقوة كما كتب في مذكراته هو أن فلسطينالانتدابية وشرق الأردن يجب ألا تكون بينهما دولة ثالثة، ويتم ضم المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة إلى الأردن ويقع على عاتق الأردن تدبر أمر هؤلاء الفلسطينيين وحقوقهم السياسية.

كان رابين منسجما تماما مع حزب الليكود في اتفاق الطرفين على رفض إقامة دولة فلسطينية بأي شكل كان، وهذا ما عبر عنه رابين في تحفظاته على مسودات أوسلو وملاحظاته الكثيرة التي أدخلت على الاتفاقية.

بعد مشاهدة الفيدو (الفيديو) للمناظرة مع شامير وقراءة مذكرات الرجل والاطلاع على تصريحاته وحقيقة موقفه، هل من الممكن أن يكون رابين قد غير رأيه خلال وقت قصير؟، الجواب القطعي هو لا، و جميع الأدلة التاريخية تقول العكس: رابين عارض إقامة دولة فلسطينية حتى يوم موته.

الحكم الذاتي

قبل كامب ديفيد بوقت طويل ولد مفهوم الحكم الذاتي بعد حرب 1967 في مناقشات فريق حكومي صهيوني سياسي أمني وعسكري صغير، عكف على بحث ما ستفعله إسرائيل بالأراضي التي احتلتها في الحرب، وقد عقدت المناقشات في الفترة 18-19 يونيو 1967 برئاسة رئيس الوزراء ليفي إشكول ووزراء آخرين من بينهم مناحيم بيغن، وقررت اللجنة أن الأراضي المحتلة من سيناء والجولان ستستخدم كوديعة للسلام مع مصر وسوريا. لقد تحقق السلام مع مصر بالفعل ، وكانت محاولات تحقيق السلام معسوريا قد تمت بالفعل.

أما بالنسبة للضفة الغربية ، فقد قررت اللجنة أن هذه المناطق لن تكون وديعة للسلام أو توجيه المفاوضات، وقد ظهر مفهوم “الحكم الذاتي الفلسطيني” لاحقا عدة مرات في بروتوكولات تلك اللجنة، ولكن دون أن يعطيها أحد بُعد واقعي واضح، وكان بيغين هو الذي حوّل هذه الفكرة إلى خطة منظمة، وحملها إلى الكنيست عام 1978.

رابين ، كما هو معروف كان قد صوت لصالح مؤتمر السلام في كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة، وكان الحكم الذاتي موضوعا مركزيا في معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، وكان المصريون والأمريكيون يريدون أن يكون الحكم الذاتي اتفاقا مؤقتا يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية في نهاية المطاف كما ظن المصريون، في حين بدأت إسرائيل برفض قبول ذلك، ورغم أنه تم التوقيع على كامب ديفيد وجدت إسرائيل طريقة للتملص من الملحق الفلسطيني.

بعد 14 عام عاد رابين لإثارة مسألة الحكم الذاتي بروح فكرة بيغن السابقة بدون أي موافقة أو ذكر لدولة فلسطينية، فرابين يريد الأرض بدون السكان، وقد سعى إلى هذا فعلا خلال مفاوضاته مع الأردنيين.

في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) 1995 ، قبل اغتياله بثلاثين يوماً ، ألقى رابين خطابه الأخير في الكنيست حول “أوسلو الثانية”. في الخطاب، استعرض رابين رأيه حول طبيعة السلطة الفلسطينية المستقبلية وحدودها مع إسرائيل: “نريد أن تكون هذه السلطة أقل من دولة وستدير بشكل مستقل حياة الفلسطينيين الخاضعين لسلطتها”، وحدود دولة إسرائيل في وقت الحل الدائم ستكون خارج الخطوط التي كانت سائدة قبل حرب الأيام الستة.

وأضاف: “لن نعود إلى خطوط 4 يونيو 1967″، وأكد رابين في كلمته “وهذه هي التغييرات الرئيسية، وليس جميعها، كما نراها وتريد لهم حل دائم: أولا وقبل كل شيء، القدس موحدة، والتي سوف تشمل كلا من معاليه أدوميم وجفعات زئيف، عاصمة لإسرائيل تحت السيادة الاسرائيلية”. أما بالنسبة للأمن: “سيتم وضع الحدود الأمنية للدفاع عن دولة إسرائيل في وادي الأردن بأوسع معاني هذا المصطلح”.

وأضاف رابين أن “التغييرات ستتضمن غوش عتصيون وإفرات وبيتار وغيرها من المستوطنات ، و معظمها في منطقة تقع شرق ما كان عليه الخط الأخضر قبل حرب الأيام الستة”. كما دعا إلى إقامة الكتل الاستيطانية، قائلاً: “أتمنى أن تكون مثلهم مثل غوش قطيف ، في يهودا والسامرة”.

كان الترتيب الذي قاتل من أجله اسحاق رابين، فيما يتعلق باتفاق أوسلو كتفاوض أخير يودي إلى حكم إداري ذاتي محدود، مع معارضة حازمة لإقامة دولة فلسطينية، تحت أي ظرف كان.

أخفى اليسار الصهيوني كل هذه الحقائق ولم يتحدث عنها من أجل خلق “مسيحه الخاص” وتزييف رابين، وموقفه من الدولة الفلسطينية بينما كان يعارضها دائما، وتقديمه كرجل يكثر من استخدام كلمة السلام ولكن أي (سلام)؟

السؤال لماذا يفعل اليسار الصهيوني هذا؟ لماذا التزييف والكذب حول شخصية رابين؟ هو هامشي في هذا المقال ولكن لا ضرر من اقتراح جواب عليه. حيث يدرك اليسار الصهيوني، من جانب، أن رابين كان آخر زعمائه، ولم يحظ قط بزعيم يملك كاريزما ونفوذ وتراث رابين العسكري والسياسي، وطبيعة الاجماع الشعبي حوله، ولهذا يتم استخدام رابين، كنوع من رمز، للتحشيد ومحاولة استعادة تماسك اليسار ودوره بالتعلق في حبال سيرة “الزعيم” الذي غدر به اليمين وقتله قبل أن يحقق أحلامه ورؤاه السياسية.

من جانب آخر يحتاج اليسار أن يواصل خداع الفلسطينيين، فعبر ترويج إرث مزيف لمجرم حرب كبير، وإعلان الرغبة بالعودة إلى مساره “بعد التعديل”، كما يريد اليسار مواصلة الكذب على الفلسطينيين بأنه مختلف عن اليمين وأنه بالعودة إلى الإرث المخترع لرابين سيتم حل جميع المشاكل.

يكمن ضعف وتهاوي القصة اليسارية في طبيعتها المزيفة بالذات، فبالنهاية إرث رابين المخترع ليس موجودا أبداً ولن يكون له أي دور في أي مسار سياسي، كما هو واضح لدى جميع الأطراف ولكنها ترفض الاعتراف بذلك.

من جهته اليمين حريص على تدمير قصة اليسار عن رابين لسببين، الأول: ليقنع الجمهور أن خطة رابين هي الوحيدة الصالحة، وأن رابين شخصيا كان يتبناها. والثاني: منع اليسار من الحصول على “مسيحه” االمخلّص وإثبات أن هذا ليس سوى “الأعور الدجال”.

بعد هذا يصبح من حق اليمين الصهيوني أن يطالب اليسار بالكف عن نشر الأكاذيب، وعلى اليسار، لو كان محقا في سعيه للسلام وهو ليس كذلك، أن يتخلص بالفعل من هذه الكذبة، لأن رابين لم يكن في يوم من الأيام رجل سلام، إلا بمقدار ما صاغته الكذبة الفلسطينية الأوسلوية، ويبدو أن اليسار واليمين الصهيونيان يعلمان فعلا من هو رابين، ويبقى أن يفهم ذلك فلسطينيو أوسلو.

بوابة الهدف

لا تعليق

اترك رد

*

*

اخرجه